في مشهد سريالي على شواطئ مدينة غزة، لم تعد قوارب الصيد تشبه تلك التي عهدتها المرافئ العالمية، بل تحولت إلى “قطع فسيفسائية” تجمع بين الحزن والابتكار.
وقالت مصادر: إن ما يشهده قطاع الصيد اليوم هو أصدق تعبير عن مفهوم “اقتصاد الركام”، حيث يضطر الصياد الفلسطيني إلى إعادة تدوير بقايا منزله المدمّر ليصنع منها وسيلة إبحار متهالكة.
هذه الظاهرة ليست مجرد وسيلة للرزق، بل هي صرخة سياسية واجتماعية في وجه حصار بحري خانق دمر 95% من أسطول الصيد التقليدي.
وأكدت المصادر، أن الاضطرار لاستخدام أبواب الغرف ونوافذ الخزائن لصناعة مراكب الصيد يعكس حالة من “العجز المركب” الذي فرضته الحرب، حيث يجد الصياد نفسه مجبراً على ركوب ذكرياته المدمّرة ليصطاد لقمة عيش مغمسة بالملح والدم، في ظل غياب كامل للمحركات والمعدات الحديثة التي يمنع الاحتلال دخولها منذ عقود وتفاقمت بشدة في عام 2026.
تشريح القارب البدائي.. هندسة البقاء من مواد غير صالحة للملاحة
تعد عملية تحويل ركام المنازل إلى قوارب صيد عملية معقدة تقنيًا ومؤلمة نفسيًا، فالأخشاب المستخدمة (أبواب، نوافذ، ألواح خزائن) ليست معالجة لمقاومة الرطوبة أو الملوحة العالية، مما يجعل عمرها الافتراضي قصيرًا جدًا ومخاطرها جسيمة.
حيث يلجأ الصيادون إلى استخدام طبقات عازلة بدائية من “النايلون” وقطع القماش البالية، ويتم دهنها بالزيت المحروق لتوفير قدر ضئيل من العزل المائي.
إن الاعتماد على المسامير الصدئة والحبال في تثبيت هذه الألواح يجعل القارب يئن تحت وطأة كل موجة، ويحوله إلى “نعش عائم” محتمل.
هذا التراجع التقني من المراكب الفولاذية والمحركات التي تبلغ قوتها 40 حصانًا إلى قوارب يدوية لا يتجاوز طولها ثلاثة أمتار، يمثل ارتدادًا زمنيًا قسريًا فرضته الحرب لإعادة غزة إلى عصور الصيد البدائية.
الحصار المكاني والتقني.. خنق المجال الحيوي للصياد الفلسطيني
لا تتوقف المعاناة عند هشاشة القوارب، بل تمتد إلى تقليص المساحات البحرية المسموح بها بشكل مهين وغير قانوني. فبينما نصت اتفاقية أوسلو على مساحة 20 ميلاً بحريًا، يجد الصياد نفسه اليوم محاصرًا في نطاق لا يتجاوز 800 متر عن الشاطئ، وهي منطقة “صحراء مائية” خالية تقريبًا من الثروة السمكية الكبيرة بسبب ضجيج القصف والتلوث الناتج عن الحرب.
وإن غياب المحركات جعل من عملية الصيد “جهدًا عضليًا استنزافيا”، حيث يقضي الصياد ساعات في التجديف اليدوي للوصول إلى مناطق فقيرة الصيد، ثم يعود منهكًا بصيد زهيد لا يتجاوز 5 كيلوغرامات في أفضل الأحوال.
هذا الحصار التقني والمكاني يهدف بوضوح إلى تحويل مهنة الصيد من قطاع إنتاجي يغذي السوق المحلي إلى نشاط هامشي لا يسد رمق العاملين فيه.
التبعات الاقتصادية.. تدمير السلسلة الغذائية وتعميق المجاعة
لقد أدى استهداف مرفأ الصيادين ومصانع الثلج وسوق السمك (الدلالة) إلى شلل تام في السلسلة التوريدية للبروتين الحيواني في قطاع غزة.
ومع تضرر 100% من الثروة السمكية وفق التقارير الحكومية، أصبح السمك “سلعة ترفيهية” نادرة في أسواق غزة، بعدما كان الغذاء الشعبي الأول.
إن تراجع الإنتاج من 4 آلاف طن سنويًا إلى أقل من 2% حاليًا، يعني حرمان آلاف العائلات من مصدر بروتيني أساسي، وتشريد نحو 5 آلاف صياد تحول معظمهم إلى عمال مياومة يبحثون عن المساعدات الإغاثية.
هذا الانهيار الممنهج لقطاع الصيد لا يمثل خسارة مالية فحسب، بل هو تدمير لأحد أعمدة السيادة الغذائية الفلسطينية، مما يعمق الارتهان للمساعدات الخارجية ويزيد من حدة سوء التغذية بين الأطفال والنازحين.
المخاطر الأمنية.. الصيد تحت فوهات بنادق الزوارق الحربية
يبقى التهديد الأمني هو الهاجس الأكبر الذي يرافق كل رحلة صيد فوق “أطواف الركام”. فالزوارق الحربية الإسرائيلية تتعامل مع هذه القوارب البدائية كأهداف أمنية، حيث يتعرض الصيادون لإطلاق النار المباشر، والاعتقال، ومصادرة معداتهم البسيطة.
تشير الإحصائيات إلى سقوط مئات الشهداء والجرحى في صفوف الصيادين خلال محاولاتهم انتزاع رزقهم من البحر.
إن الإبحار بقارب خشبي غير مستقر تحت مراقبة الطائرات المسيرة والزوارق الحربية يجعل من كل رحلة “مقامرة بالموت”، هذه الضغوط العسكرية تهدف إلى تفريغ البحر من الصيادين وتحويل الشاطئ إلى منطقة عازلة، مما يحرم الفلسطينيين من حقهم الطبيعي في استغلال مواردهم المائية المحدودة.

