لم تتوقف جرائم ميليشيات الحوثي عند حدود تدمير مؤسسات الدولة ونهب المقدرات العامة، بل امتدت لتطال أثمن ما يملكه اليمن وهو “الإنسان”، وتحديدًا فئة الشباب والأطفال الذين تحولوا في عقيدة الجماعة إلى مجرد “أرقام” في كشوفات التعبئة ووقود دائم لجبهات القتال التي لا تنتهي.
وتعتمد الميليشيات في استراتيجيتها لتجنيد الشباب على ما يمكن وصفه بـ “الإغراءات المسمومة”، حيث يتم استغلال حالة الفقر المدقع والمجاعة التي تسببت فيها الجماعة نفسها، لتحويل لقمة العيش والمكاسب العينية البسيطة إلى وسيلة لاستدراج الضحايا، وإن هذه الجريمة الممنهجة تبدأ برصد الفئات الأكثر احتياجًا في الأحياء الفقيرة والحواري المنسية، خاصة في المناطق الساحلية مثل الحديدة، حيث يتم تقديم وعود مالية أو وظائف وهمية، لتكون هذه الوعود هي البوابة الأولى التي يعبر منها الشاب نحو مسار يبدأ بـ “دورة ثقافية” وينتهي في محارق الموت المشتعلة.
غسيل العقول الممنهجه.. الدورات الطائفية كمدخل للتدمير الفكري
تعتبر “الدورات الثقافية” هي الركن الركين في جريمة غسيل العقول التي يمارسها الحوثيون بحق الأشبال والشباب، حيث لا يتم إرسال المجندين الجدد إلى الميدان مباشرة، بل يتم إخضاعهم لعملية “تجهيل” ممنهجة وصبغ عقولهم بأفكار طائفية متطرفة غريبة على المجتمع اليمني.
وفي هذه الدورات، يتم عزل الشباب عن العالم الخارجي ومنعهم من التواصل مع أهاليهم، مع التركيز المكثف على ملازم مؤسس الجماعة وخطابات زعيمها الحالي، والهدف من هذه العملية هو خلق “آلة قتل” لا تملك إرادة التفكير، بل تنصاع للأوامر العمياء تحت مسميات “الجهاد” و”الدفاع عن الدين”، وهذا المسار المخطط له بعناية يحول الشاب من مواطن صالح يتطلع لبناء مستقبله إلى عنصر مؤدلج يرى في الموت غاية وفي تدمير وطنه وسيلة للوصول إلى الجنة المزعومة.
إن جرائم الحوثيين في هذا السياق تتجاوز التجنيد العسكري لتصل إلى حد “الإبادة الثقافية” لهوية جيل كامل، فبدلاً من تعليم هؤلاء الشباب المهارات العلمية والتقنية التي يحتاجها اليمن للنهوض، يتم حشو أدمغتهم بثقافة الموت والكراهية والتحريض ضد الآخر، وتكشف شهادات الناجين من هذه المعسكرات عن حجم الرعب النفسي الذي يُمارس ضدهم لضمان عدم هروبهم.
حيث يتم تصوير الانسحاب كـ “خيانة عظمى” أو “نفاق” يستوجب العقاب، هذا الابتزاز الفكري هو ما يجعل الشباب يستمرون في المسار العسكري حتى بعد اكتشافهم لحجم الخديعة، فالجماعة تدرك أن السيطرة على العقل هي الضمانة الوحيدة لاستمرار تدفق المقاتلين نحو الجبهات، وهو ما يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان تستوجب ملاحقة دولية لقادة التعبئة الحوثية.
الابتزاز المعيشي وجريمة “مراكز الفرز” في الأحياء الشعبية
تمارس الميليشيات نوعًا من “الابتزاز الإنساني” البشع عبر ربط المساعدات الإغاثية أو الحصول على الغاز المنزلي والخدمات الأساسية بمدى الانخراط في أنشطة الجماعة أو إرسال أحد الأبناء للجبهات، وقد تحولت “عقال الحارات” ومسؤولي المربعات السكنية إلى أدوات للقمع والفرز.
حيث يتم حرمان الأسر الرافضة من حقوقها الأساسية، مما يضطر العديد من الآباء للتضحية بأبنائهم تحت وطأة الجوع والحاجة، هذه السياسة حولت الأحياء السكنية إلى “ثكنات تعبئة” مفتوحة، حيث يتم فرز الشباب بناءً على قدراتهم البدنية؛ فمنهم من يُساق للجبهات المتقدمة، ومنهم من يُستخدم في الخدمات اللوجستية أو العمليات الاستخباراتية داخل الحارات، مما يدمر النسيج الاجتماعي ويزرع بذور الشقاق بين أبناء الحي الواحد.
وعلاوة على ذلك، تعمد الميليشيات إلى تنظيم فعاليات “تمجيد القتلى” بصفة مستمرة، وتسمية الشوارع والقاعات بأسماء قياداتها الذين هلكوا في الجبهات، لترسيخ ثقافة الموت كنموذج يحتذى به للأشبال الصغار تحت سن 16 عامًا، إن هذا الاستهداف الممنهج للأطفال هو الجريمة الأكثر إيلامًا، حيث يتم انتزاعهم من مقاعد الدراسة وتدريبهم على حمل السلاح واستخدام المتفجرات.
وتكشف التقارير الحقوقية عن آلاف الأطفال الذين لقوا حتفهم في الخطوط الأمامية بعد أن تم استدراجهم بوعود كاذبة أو عبر الضغط على أهاليهم، إن “قاعدة بيانات الموت” التي يديرها الحوثيون هي الدليل الدامغ على نيتهم المبيتة لتحويل اليمن إلى ساحة حرب دائمة، لا صوت فيها يعلو فوق صوت الرصاص والصرخات الطائفية.
مستقبل اليمن بين مطرقة التجنيد وسندان الضياع الفكري
يظل الرهان على وعي الأسر اليمنية وصمودها في وجه هذه “الإغراءات المسمومة” هو خط الدفاع الأول لحماية ما تبقى من جيل اليمن الجديد، إن الجرائم الحوثية المتمثلة في عسكرة الحياة المدنية واستغلال حاجة الفقراء لتجنيد أبنائهم هي وصمة عار في جبين المجتمع الدولي الذي يكتفي في كثير من الأحيان ببيانات التنديد دون اتخاذ إجراءات رادعة.
إن استعادة هؤلاء الشباب من “براثن الوهم” وتطهير عقولهم من سموم الطائفية هو التحدي الأكبر الذي سيواجه اليمن في مرحلة ما بعد النزاع، فالحوثي لم يكتفِ بنهب الحاضر، بل يسعى بكل قوته لتفخيخ المستقبل عبر صناعة جيل مشوه لا يعرف سوى لغة السلاح والدمار.

