ذات صلة

جمع

من الخرطوم إلى طهران.. كيف تحول السودان إلى قاعدة متقدمة لنفوذ الحرس الثوري؟

تشهد الساحة السودانية تحولًا دراماتيكيًا في خارطة التحالفات العسكرية...

تونس ومعادلة الأمن الصعبة.. هل أصبحت “الذئاب المنفردة” التحدي الأكبر للدولة؟

تواجه الجمهورية التونسية، واقعًا أمنيًا يتسم بالتعقيد الشديد في...

التكنولوجيا في مواجهة التهريب.. هل تلجأ دمشق وبيروت للمراقبة التقنية لضبط الحدود؟

عقدت السلطات السورية واللبنانية سلسلة من المباحثات الأمنية واللوجستية...

الأمن قبل السياسة.. لماذا تراهن البعثة الأممية على توحيد التشكيلات العسكرية في ليبيا أولاً؟

يشهد الملف الليبي تحولاً جوهرياً في استراتيجية التعامل الدولي...

نهاية السردية.. لماذا أصبحت تحركات الإخوان بالخارج “حراكًا مشبوهًا” بلا قيمة؟

على وقع إخفاقات متتالية وضغوط دولية وأمنية غير مسبوقة، تجد جماعة الإخوان الإرهابية نفسها اليوم أمام طريق مسدود، حيث لم تعد السرديات التي نسجتها على مدار عقود قادرة على الصمود أمام واقع سياسي عالمي متغير، فبعد الفشل الذريع في تنظيم أي حراك ميداني أو مظاهرات مؤثرة، لجأت الجماعة إلى استنساخ أساليب وهمية تعتمد على تزييف الوعي لدى أتباعها، محاولةً إعادة إحياء آمال عفا عليها الزمن عبر الهروب من الواقع المرير إلى مساحات “أحلام اليقظة”.

حيث بات الخطاب السياسي للجماعة يفتقر إلى الحد الأدنى من المنطق والواقعية، واستبدلته بسرديات غيبية تهدف إلى تثبيت القواعد المنهارة نفسيًا وتنظيميًا، وهو ما يعكس حالة من الإفلاس الفكري الذي جعل من تحركات الجماعة في الخارج مجرد “حراك مشبوه” يفتقر إلى أي قيمة حقيقية أو وزن في مراكز صناعة القرار العالمي.

هذا الانحسار لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لاتساع الفجوة بين ما تدعيه الجماعة من نفوذ وبين حقيقة افتقارها لأي حضور فعلي على الأرض، فالجماعة التي طالما استغلت مفاهيم “المظلومية” لجذب الدعم الدولي، وجدت نفسها أمام مجتمعات دولية باتت أكثر وعيًا بمخاطر خطابها المزدوج.

ومع تزايد الضغوط من الدول المضيفة التي بدأت تضيق ذرعًا بتحركات هذه الكيانات، تحول الحراك من العمل السياسي العلني إلى نسج مؤتمرات هزلية وأنشطة “ديكورية” تُقام في غرف مغلقة، حيث يتم الترويج لـ “رؤى منامية” وأوهام بالعودة إلى المشهد السياسي، وهي محاولة بائسة لتعويض الفشل الميداني بغطاء رمزي يحاول إقناع الأتباع بأن الجماعة ما تزال في حراك مستمر، بينما الواقع يؤكد أنها تعيش حالة من التجميد والتحفظ الدولي الواسع.

استراتيجية “الكيانات الكرتونية” والواجهات الموازية في الخارج

وتعتمد الجماعة في تحركاتها الخارجية حاليًا على ما يمكن تسميته بـ “الكيانات الكرتونية”، وهي مجموعة من الحركات والمجالس والأحزاب غير المرخصة التي تُدار من خارج البلاد عبر منصات رقمية فقط، وتعمل هذه الكيانات تحت عناوين متعددة وتدعي تمثيل فئات متنوعة من الأكاديميين والباحثين والشباب، لكن الفحص الدقيق يكشف أنها جميعًا تنبع من مشكاة واحدة وتدار بعقلية تنظيمية متصلبة ترفض التغيير.

وتهدف هذه الاستراتيجية إلى إظهار قدر من الانتشار الزائف وتعدد المنابر لإيهام الرأي العام العالمي بوجود جبهة معارضة واسعة، بينما هي في الحقيقة مجرد واجهات دعائية تُستخدم لإعادة تدوير ذات الوجوه المأزومة التي فقدت مصداقيتها في الشارع، وتعمل هذه الكيانات من بلدان توفر لها هامشًا من الحرية، لكنها اليوم تواجه قيودًا قانونية متزايدة وتحفظات سياسية تحول دون تحويل أحلامها إلى مسار سياسي معترف به.

إن هذه المنصات الموازية تفتقر إلى أي “شرعية قانونية” أو حضور ميداني، وهي تعتمد بشكل كلي على التمويلات الضخمة المخصصة لإدارة صفحات التواصل الاجتماعي وتصميم الإعلانات الممولة، حيث يتم رصد ميزانيات كبيرة لخلق هالة من الاهتمام حول مؤتمرات توصف بـ “الوطنية” وهي في حقيقتها مجرد تجمعات لعناصر الجماعة والمقربين منها.

وتكشف هذه التحركات عن تحول الجماعة من كيان يدعي العمل الدعوي أو السياسي إلى ما يشبه “شركة تجارة أوهام”، تمنح مكافآت مالية مقابل أبحاث تروج لأفكارها وتخدم أجندتها الخاصة، وهو ما يفضح طبيعة هذا الحراك الذي أصبح رهينًا للتمويلات الخارجية ومحاولات الاستقطاب المادي، بعيدًا عن أي هموم حقيقية للشعوب التي تدعي الجماعة تمثيلها.

الانقسامات الداخلية وفضيحة “الترهيب الرقمي” المتبادل

ولعل أكثر ما يثبت نهاية هذه السردية هو حالة التشرذم والانحلال التي تضرب هيكل الجماعة من الداخل، حيث تصاعدت في الآونة الأخيرة صراعات الأدوار والكراسي الوهمية بين القيادات المقيمة في الخارج، وظهرت اتهامات متبادلة بالتخوين والتخلي عن المبادئ؛ مما أدى إلى موجة استقالات واسعة داخل تلك الأحزاب والكيانات غير المرخصة.

وتكشف هذه الانقسامات أن الصراع الحقيقي ليس على مبادئ أو رؤى سياسية، بل هو صراع على النفوذ والموارد المالية المتبقية، حيث يسعى كل تيار لإثبات أهليته في الحصول على الدعم الدولي عبر إقصاء التيارات الأخرى، وهو ما يضع الجماعة في حالة من “الأكل الذاتي” الذي يفتت قوتها ويجعل من خطابها مادة للسخرية حتى بين أوساط القواعد التي بدأت تكتشف حجم الخديعة التي عاشت فيها لسنوات طويلة.

كما أن تورط بعض الأسماء المرتبطة بهذه الحركات في كيانات عنيفة أو أذرع تروج للفوضى، جعل الجماعة تتبنى سياسة “الأسماء المخفية”، حيث يتم توجيه بعض القيادات بعدم الظهور في صدارة المشهد خوفاً من تضرر فرص الجماعة في الحصول على قبول دولي، هذه السياسة تعكس حالة من الازدواجية الأخلاقية؛ فهي من جهة تدعي السلمية والعمل المدني.

ومن جهة أخرى تخفي وجوهًا ارتبطت تاريخيًا بخطاب التحريض والعنف، هذا التناقض الصارخ أفقد الجماعة ثقة المنظمات الحقوقية والخبراء الذين باتوا يصفون تحركاتها بـ “المشبوهة والهزلية”، مؤكدين أنها مجرد محاولة لامتصاص غضب الشباب التابع لها بعد الضربات الموجعة التي تلقتها الجماعة، وفشلها في تقديم أي مبرر مقنع للاستمرار في هذا المسار العبثي.

مستقبل “الحراك المشبوه” في ظل الرفض الشعبي والدولي

إن التحليل الدقيق لمسار هذه الجماعة يؤكد أنها وصلت إلى مرحلة “الجمود التاريخي”، حيث لم تعد تمتلك أي أدوات للتأثير سوى الفضاء الرقمي الممول، ومع استمرار الدولة في تحقيق نجاحات ميدانية وتنموية، تآكلت تمامًا سردية المظلومية التي كانت تتغذى عليها الجماعة، وأصبحت مؤتمراتها التي تروج لـ “أوهام العودة” مجرد ضجيج بلا أثر، فالشعب الذي لفظ هذه الأفكار في الميدان لن يعود إليها عبر شاشات الهواتف أو المؤتمرات المنعقدة في الخارج.

كما أن القوى الدولية بدأت تدرك أن الاستثمار في هذه الجماعة هو استثمار في مشروع فاشل ومرفوض شعبيًا، مما جعل هذه الكيانات تعيش حالة من العزلة السياسية رغم كل محاولات التجميل والتمويل التي تمارسها أجهزتها الإعلامية.