ذات صلة

جمع

عصر “الحروب الصامتة”.. كيف تحولت أوكرانيا إلى أكبر مختبر عالمي للروبوتات؟

شهدت الساحة الأوكرانية -خلال الأشهر الثلاثة الماضية- تحولاً جذريًا...

“أجندات مشبوهة”.. كيف استثمر إخوان اليمن الصراع لترسيخ “التمكين” على حساب التحرير؟

تكشف المعطيات الميدانية والسياسية في اليمن عن استراتيجية بالغة...

الردع الجنائي.. كيف فقد الإخوان القدرة على المناورة داخل المؤسسات الأمريكية؟

دخلت المواجهة بين السلطات الأمريكية وجماعة الإخوان مرحلة غير...

سجل الموت الموثق.. كيف التفّ البرهان على الوثيقة الدستورية لوأدِ الحلم المدني؟

تمثل رحلة الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني في السلطة منذ عام 2019 سلسلة متواصلة من محاولات الالتفاف الممنهج على “الوثيقة الدستورية” التي كانت تمثل العقد الاجتماعي بين المكونين العسكري والمدني بعد ثورة ديسمبر المجيدة.

ومع حلول عام 2026، بات واضحًا أن الاستراتيجية التي اتبعها البرهان لم تكن تهدف إلى حماية الانتقال الديمقراطي كما ادعى مرارًا، بل كانت تهدف إلى تفكيكه من الداخل عبر تعطيل المواد الجوهرية التي تضمن مدنية الدولة وتسليم السلطة للمدنيين.

وبدأت هذه الرحلة بانقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي كان بمثابة الرصاصة الأولى في صدر الوثيقة الدستورية، حيث تم تجميد العمل بمواد الشراكة واعتقال القادة المدنيين، وصولاً إلى المرحلة الحالية التي نصب فيها البرهان نفسه حاكمًا منفردًا بصلاحيات مطلقة، متجاوزًا كل الأطر القانونية التي حددت دور المؤسسة العسكرية في حماية الحدود لا إدارة شؤون القصر الجمهوري؛ مما أدخل البلاد في نفق مظلم من الفوضى السياسية والانهيار المؤسسي الذي دفع ثمنه المواطن السوداني البسيط من أمنه وقوته.

ويرى خبراء القانون الدولي، أن “سجل الموت الموثق” في السودان هو النتيجة المباشرة لهذا الالتفاف الدستوري، فبمجرد غياب الرقابة المدنية والمحاسبة القانونية التي نصت عليها الوثيقة، تحولت الأجهزة الأمنية والعسكرية إلى أدوات لقمع الاحتجاجات السلمية وتصفية المعارضين.

وفي عام 2026، وثقت المنظمات الحقوقية مئات الحالات من القتل خارج نطاق القضاء، حيث استُخدمت القوة المفرطة ضد المتظاهرين الرافضين للحكم العسكري في مدن السودان المختلفة، إن تعطيل الوثيقة الدستورية لم يكن مجرد إجراء سياسي إداري، بل كان ضوءًا أخضر لانتهاك الحريات الأساسية، وتغييب المساءلة عن الجرائم المرتكبة في مناطق النزاع، مما جعل من “الشرعية الثورية” مجرد شعار يتم التلاعب به لتبرير البقاء في السلطة، بينما يتم بناء نظام جديد يقوم على الفردية المطلقة وإقصاء كل من ينادي بالعودة إلى المسار الدستوري الصحيح الذي أقره الشعب في ساحات الاعتصام.

جرائم الحرب الموثقة

وفي ظل قيادة البرهان، شهدت مناطق الخرطوم ودارفور وكردفان عمليات قصف جوي عشوائي استهدفت أحياء سكنية ومرافق حيوية؛ مما أسفر عن سقوط آلاف الشهداء والجرحى.

وتؤكد التقارير الميدانية، أن هذه العمليات لم تكن تخلو من “التهاون المتعمد” بأرواح المدنيين، بل واقترنت في كثير من الأحيان بحملات اعتقال تعسفي طالت الناشطين في غرف الطوارئ والكوادر الطبية، بتهمة “العمالة” أو “تقويض النظام الدستوري”، وهي تهم يصفها المحامون بأنها مثيرة للسخرية بالنظر إلى أن النظام القائم نفسه هو من قوض الدستور، إن “سجل الموت” لا يقتصر على القتلى بالرصاص فحسب، بل يمتد ليشمل الذين قضوا في السجون السرية نتيجة التعذيب الممنهج والحرمان من الرعاية الطبية.

وعلاوة على ذلك، برزت في عام 2026 جريمة “التهجير القسري” كأداة هندسية لتغيير الديموغرافيا في بعض المناطق الملتهبة، حيث أدت العمليات العسكرية غير المنضبطة إلى نزوح ملايين السودانيين داخليًا وخارجيًا، في ظل ظروف إنسانية يصفها الخبراء بأنها “الأكبر في العالم”.

إن مسؤولية البرهان كقائد عام للقوات المسلحة ورئيس لمجلس السيادة تضعه في مواجهة مباشرة مع المحكمة الجنائية الدولية والقانون الدولي، خاصة مع توثيق جرائم عنف جنسي واستهداف للمدنيين على أساس عرقي ومناطقي في إقليم دارفور، وتتحمل القيادة العسكرية المسؤولية عن فشلها في حماية المواطنين، بل وتورط بعض وحداتها في أعمال نهب وتدمير للبنية التحتية، وهو ما يجعل من الالتفاف على الوثيقة الدستورية جريمة مزدوجة؛ فهي جريمة سياسية باغتصاب السلطة، وجريمة جنائية بفتح الباب أمام آلة القتل لتعمل دون رادع أو رقيب قانوني أو أخلاقي.

تفكيك المؤسسات المدنية

اعتمد البرهان في استراتيجيته للانفراد بالحكم على “تفكيك المؤسسات المدنية” التي أفرزتها الثورة، حيث تم حل لجان تفكيك التمكين واستعادة عناصر النظام البائد إلى مفاصل الدولة، وهو ما اعتبره الثوار “خيانة عظمى” لمبادئ ديسمبر، وفي عام 2026.

استكمل البرهان هذه الحلقة بإعادة هيكلة الجيش السوداني، وإلغاء مناصب نواب ومساعدي القائد العام، في خطوة تهدف لإنهاء أي مراكز قوى داخل المؤسسة العسكرية قد تفكر في العودة للمسار المدني، هذا الإقصاء لم يطال العسكريين فحسب، بل امتد لضرب النقابات والاتحادات المهنية والقوى السياسية الحية، عبر تشكيل “واجهات كرتونية” تدعي تمويل الثورة بينما هي في الحقيقة أذرع أمنية تخدم بقاء “الحاكم المنفرد”.

إن تغييب الصوت المدني أدى إلى فقدان السودان لعلاقاته الدولية واستمرار تعليق عضويته في الاتحاد الأفريقي، مما ضاعف من معاناة الشعب الاقتصادية والسياسية.

ويظهر بوضوح أن سجل الموت الموثق في السودان هو الثمن الباهظ الذي يدفعه الشعب نتيجة طموحات جنرالات الحرب في البقاء فوق كراسي الحكم، وإن الالتفاف على الوثيقة الدستورية لم يكن سوى ستار لمشروع استبدادي يحاول إعادة إنتاج النظام القديم بوجوه جديدة، ومع ذلك، تظل إرادة الشعب السوداني والمقاومة السلمية هي الصخرة التي تتحطم عليها أوهام “الحاكم المطلق”.

إن المحاسبة على الجرائم المرتكبة منذ عام 2019 وحتى اليوم هي المخرج الوحيد لكسر حلقة العنف والإفلات من العقاب، وسيبقى التاريخ شاهدًا على أن الوثائق الدستورية التي تُكتب بدم الشهداء لا يمكن محوها بجرة قلم من جنرال، وأن الفجر المدني آتٍ مهما طال ليل القمع والتنكيل، بانتظار لحظة القصاص العادل التي تعيد للسودان سيادته المنهوبة وكرامته المهدورة تحت حكم البرهان.