ذات صلة

جمع

السيادة المفقودة.. كيف حوّل حزب الله الضاحية الجنوبية إلى ساحة حرب مفتوحة؟

دخلت المواجهة العسكرية بين إسرائيل وحزب الله في مطلع...

الرهان الخاسر.. كيف استنزفت طهران ثروات شعبها لتمويل الميليشيات؟

تستمر المفارقة الصارخة في الداخل الإيراني بين إمكانيات الدولة...

اقتصاد “الحواف الحادة”.. كيف يواجه السوريون طفرة الغلاء وتآكل الدخل؟

يعيش المواطن السوري داخل ما يمكن تسميته باقتصاد "الحواف...

السيادة المفقودة.. كيف حوّل حزب الله الضاحية الجنوبية إلى ساحة حرب مفتوحة؟

دخلت المواجهة العسكرية بين إسرائيل وحزب الله في مطلع شهر أبريل 2026 مرحلة شديدة الخطورة، حيث لم تعد العمليات الحربية مقتصرة على الخط الأزرق في الجنوب، بل انتقلت بثقلها إلى قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، التي تحولت من مركز ثقل سياسي وشعبي إلى “ساحة حرب مفتوحة” تفتقر لأدنى مقومات السيادة الوطنية.

ويأتي هذا التحول الدراماتيكي نتيجة طبيعية لسنوات من تغلغل “الدويلة داخل الدولة”، حيث نجح حزب الله في تحويل الأحياء السكنية المكتظة بالمواطنين إلى ثكنات عسكرية ومخازن للصواريخ الاستراتيجية، مما جعل المنطقة هدفًا مشروعًا ومباحًا للطيران الحربي الإسرائيلي الذي لا يفرق بين منشأة مدنية وموقع عسكري، وسط غياب تام للدولة اللبنانية وأجهزتها الأمنية التي تقف مكتوفة الأيدي أمام مصادرة قرار الحرب والسلم لصالح أجندات إقليمية عابرة للحدود.

الضاحية كـ”مربع أمني” ومخزن للبارود الإقليمي

لطالما اعتبر حزب الله الضاحية الجنوبية “حصنه الحصين” ومربعه الأمني الذي لا يمكن اختراقه، إلا أن أحداث مارس وأبريل 2026 كشفت عن هشاشة هذا التصور أمام التكنولوجيا العسكرية المتطورة، فالحزب الذي استثمر لعقود في بناء شبكة معقدة من الأنفاق والمخازن تحت الأبنية السكنية في حارة حريك والغبيري والحدث، وجد نفسه اليوم محاصرًا داخل بيئته.

حيث أدى انفجار المستودعات نتيجة الغارات الجوية إلى تدمير مربعات سكنية كاملة فوق رؤوس ساكنيها، ويعكس هذا المشهد حجم “المقامرة” التي خاضها الحزب بسلامة المدنيين، واضعًا إياهم كدروع بشرية في مواجهة آلة قتل إسرائيلية لا ترحم؛ وهو ما أدى بدوره إلى فقدان “السيادة” ليس فقط على الأرض، بل على أمن المواطن اللبناني الذي بات يشعر بأنه يعيش فوق برميل بارود قد ينفجر في أي لحظة لصالح صراع لا يخدم مصلحة لبنان العليا.

تآكل مؤسسات الدولة اللبنانية أمام سطوة السلاح

إن الحديث عن “السيادة المفقودة” في الضاحية الجنوبية لا ينفصل عن واقع تآكل مؤسسات الدولة اللبنانية التي تراجعت خطوتها أمام سطوة السلاح غير الشرعي، فالحكومة اللبنانية الحالية تجد نفسها في موقف العاجز عن ممارسة أي دور رقابي أو أمني داخل الضاحية، حيث تدار المنطقة وفق قوانين خاصة يفرضها الحزب بعيدًا عن الدستور.

وقد تجلى هذا الضعف الرسمي في عدم قدرة الجيش اللبناني على التموضع داخل هذه المناطق الحيوية لحمايتها أو منع تحويلها إلى منصات هجومية؛ مما جعل لبنان في نظر المجتمع الدولي دولة “فاشلة” أو “مختطفة” لا تملك السيطرة على أراضيها، وهذا الانكشاف السيادي هو الذي منح إسرائيل الذريعة الدولية لتنفيذ غارات واسعة النطاق، مدعية أنها تستهدف “بنية تحتية إرهابية” زرعت في قلب العاصمة بيروت بمعزل عن سلطة القانون.

الارتهان لإيران وتحويل بيروت إلى جبهة ثانوية

يرى العديد من المحللين السياسيين، أن ما يحدث في الضاحية الجنوبية هو انعكاس مباشر للارتهان المطلق لسياسات الحرس الثوري الإيراني، فمنذ إعلان الحزب عن استراتيجية “وحدة الساحات”، تحول لبنان إلى مجرد “جبهة إسناد” ثانوية تهدف لتخفيف الضغط عن طهران أو تحقيق مكاسب تفاوضية في ملفات إقليمية أخرى.

ولم تكن الضاحية الجنوبية سوى الثمن الذي يدفعه لبنان في هذه اللعبة الكبرى، حيث تم استنزاف قدراتها الاقتصادية والبشرية في معارك لا تعود على اللبنانيين بأي نفع، ومع وصول الصراع إلى ذروته في أبريل 2026، بات واضحًا أن السيادة اللبنانية قد تمت التضحية بها على مذبح المصالح الإيرانية، مما جعل بيروت عرضة للاستهداف المباشر الذي لم يستثنِ حتى المواقع القريبة من المطار والمرافق الحيوية، مما يهدد بعزل لبنان كليًا عن العالم الخارجي.

فاتورة الدمار والنزوح الجماعي المروع

خلف الغبار والركام في ضاحية بيروت الجنوبية، تبرز مأساة إنسانية هي الأكبر في تاريخ لبنان المعاصر، حيث تسببت الحرب المفتوحة في نزوح ما يقرب من 1.2 مليون شخص من الضاحية والجنوب باتجاه مناطق الجبل والشمال، وهذا النزوح القسري لم يكن نتيجة القصف الإسرائيلي فحسب، بل نتيجة فقدان الثقة في قدرة حزب الله على حماية “بيئته الحاضنة” التي دمرت بيوتها ومصالحها التجارية.

وأصبحت الضاحية اليوم مدينة أشباح تغطيها سحب الدخان الأسود، وسط دمار هائل في البنية التحتية الكهربائية والمائية، مما يجعل عملية العودة وإعادة الإعمار أمرًا شبه مستحيل في المدى المنظور، ويحمل الشارع اللبناني اليوم الحزب المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن هذا الدمار، متسائلاً عن الجدوى من “انتصارات إلهية” مزعومة لا تترك خلفها سوى الأشلاء والأنقاض والتشرد.

استعادة القرار الوطني كسبيل وحيد للنجاة

لا يمكن للبنان أن يستعيد عافيته أو سيادته المفقودة دون العودة إلى كنف الدولة والالتزام بالقرارات الدولية وعلى رأسها القرار 1701 الذي ينص على خلو منطقة جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي.

إن ما يحدث في الضاحية الجنوبية هو درس قاسٍ حول خطورة وجود “جيش موازٍ” ينافس الدولة في صلاحياتها، ولذلك فإن السبيل الوحيد للنجاة هو نزع الذرائع من يد إسرائيل عبر بسط سلطة الجيش اللبناني على كامل التراب الوطني، وتفكيك المربعات الأمنية التي تحولت إلى أهداف عسكرية، إن السيادة الحقيقية تبدأ من بيروت ومن ضاحيتها، عندما تصبح هذه المناطق خاضعة للقانون اللبناني ولأجهزة الدولة الرسمية فقط، بعيدًا عن التحالفات العابرة للحدود التي لم تجلب للبنان سوى الحروب والخراب، بانتظار إرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة “لبنان أولاً” فوق أي اعتبار آخر.