ذات صلة

جمع

رسائل قرطاج.. هل تنجح تونس في فرض شروط جديدة على الشريك الأوروبي؟

تمثل الدعوة التي أطلقها الرئيس التونسي قيس سعيد لمراجعة...

التنمية كمدخل للحل.. هل تنجح “عقيدة الخدمات” في توحيد مؤسسات ليبيا؟

تعد معضلة الشرعية والخدمات في الدولة الليبية واحدة من...

أذرع طهران في بيروت.. كيف يمول الحرس الثوري الإيراني الفوضى على حساب الدولة اللبنانية؟

تمثل الهيكلية التنفيذية للحرس الثوري الإيراني في لبنان، وتحديدًا...

التنمية كمدخل للحل.. هل تنجح “عقيدة الخدمات” في توحيد مؤسسات ليبيا؟

تعد معضلة الشرعية والخدمات في الدولة الليبية واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في المشهد السياسي المعاصر، حيث يتداخل فيها الطموح السياسي مع الاحتياجات الإنسانية الأساسية للمواطن الذي بات عالقًا في دوامة الانقسام المؤسسي منذ سنوات طوال.

إن الجدل الدائر حول من يملك الحق القانوني والسياسي في إدارة شؤون البلاد لم يعد يقتصر على أروقة الأمم المتحدة أو منصات التفاوض الدولية، بل انتقل ليشمل تفاصيل الحياة اليومية من انقطاع الكهرباء وتدهور البنية التحتية وصولاً إلى أزمات السيولة النقدية، مما خلق حالة من السخط الشعبي تجاه الطبقة السياسية بمختلف توجهاتها.

حيث ترى مصادر، أن التوافق على ملف التنمية قد يمثل المخرج الوحيد المتاح حاليًا لكسر الجمود السياسي، بشرط أن تتحول الرغبة في الإعمار من أداة للدعاية السياسية إلى مشروع وطني عابر للانقسامات الجغرافية والمؤسسية التي مزقت نسيج الدولة.

جذور الانقسام وأثرها على جودة الخدمات العامة

يرتبط تدهور الخدمات في ليبيا ارتباطًا وثيقًا بظاهرة “تعدد الشرعيات” التي أفرزت حكومتين وجهازين إداريين يتنافسان على الموارد والاعتراف الدولي دون وجود تنسيق حقيقي على الأرض؛ مما أدى إلى تشتت الميزانيات العامة وضعف الرقابة على المشاريع الكبرى التي تعطلت لسنوات.

هذا الانقسام لم يؤدِ فقط إلى تعطيل عجلة التنمية، بل ساهم في خلق حالة من الفوضى المؤسسية حيث يجد المواطن نفسه مضطراً للتعامل مع جهات تنفيذية متصارعة، مما يفتح الباب واسعًا أمام قضايا الفساد المالي والإداري وغياب المحاسبة، خاصة في ظل الصراع المستمر على إدارة عوائد النفط التي تمثل الشريان التاجي للاقتصاد الليبي، وهو ما جعل من ملف الخدمات ورقة ضغط سياسية متبادلة تستخدمها الأطراف المختلفة لتعزيز نفوذها أو إضعاف خصومها دون النظر إلى التبعات الكارثية على معيشة الليبيين الذين يطالبون بضرورة فصل الملف الخدمي عن التجاذبات الأيديولوجية والجهوية.

التوافق التنموي كبديل للمسارات السياسية المتعثرة

تبرز في الآونة الأخيرة ملامح توجه جديد يرتكز على فكرة “التوافق عبر التنمية”، وهي استراتيجية تعتمد على البدء بالمشاريع المشتركة التي تهم كافة الليبيين كمدخل لإعادة الثقة بين الأطراف السياسية وتوحيد المؤسسات الفنية والمالية والخدمية بعيداً عن صراع المناصب السيادية.

إن النجاح في تنفيذ مشاريع الربط الكهربائي، وصيانة الطرق السريعة التي تربط الشرق بالغرب والجنوب، وتوحيد المصرف المركزي لإدارة السيولة النقدية، يمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية القوى الفاعلة في إنهاء المعاناة الشعبية.

حيث يرى خبراء الاقتصا،د أن التنمية لا يمكن أن تزدهر في بيئة منقسمة، لكنها في الوقت ذاته قد تكون “المحرك الصامت” الذي يدفع الجميع نحو طاولة الحوار القسري لضمان استدامة المشاريع وتأمين التمويل اللازم لها من المؤسسات الدولية التي تشترط وجود حد أدنى من الاستقرار المؤسسي والشفافية المالية للتعاون مع الدولة الليبية في مشاريع الإعمار الكبرى.

تحديات توحيد المؤسسات في ظل صراع النفوذ

رغم الحديث المتكرر عن ضرورة توحيد المؤسسات الخدمية، إلا أن هناك تحديات جسيمة تعيق هذا المسار، أبرزها تداخل الصلاحيات بين البلديات والحكومات المركزية، فضلاً عن وجود مراكز قوى محلية ومسلحة تستفيد ماديًا من حالة الانقسام القائمة، وتخشى أن يؤدي الاستقرار المؤسسي إلى فقدان نفوذها ومكاسبها الاقتصادية غير المشروعة.

إن الانتقال من عقلية “إدارة الأزمة” إلى عقلية “بناء الدولة” يتطلب إرادة سياسية صلبة قادرة على تقديم تنازلات مؤلمة، وهو ما يبدو صعب المنال في ظل استمرار التدخلات الخارجية التي تغذي الصراع وتكرس الانقسام لخدمة أجندات إقليمية ودولية، مما يجعل من ملف الخدمات والشرعية حلقة مفرغة، حيث يرهن البعض تحسين الخدمات بالوصول إلى حل سياسي شامل وانتخابات رئاسية وبرلمانية، بينما يرى آخرون أن توفير الخدمات والأمن هو التمهيد الضروري والوحيد لضمان نجاح أي عملية ديمقراطية قادمة في البلاد.

آفاق المستقبل وفرص النجاح لمبادرات الإعمار

إن ملامح المستقبل في ليبيا تتوقف بشكل كبير على مدى قدرة الأطراف الليبية على تحويل “طفرة الإعمار” الحالية إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد يشمل كافة الأقاليم الليبية دون استثناء، بحيث يتم توزيع الثروة والمشاريع بعدالة تقطع الطريق على دعوات الانفصال أو الفيدرالية المتطرفة التي تتغذى على شعور التهميش، وإن التوافق على التنمية ليس مجرد رصف طرق أو بناء جسور، بل هو عقد اجتماعي جديد يعيد بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس “الإنجاز مقابل الولاء”، مما قد يسهم في خلق بيئة آمنة تسمح بعودة الشركات الأجنبية الكبرى والاستثمارات الدولية التي تحتاجها ليبيا بشدة لتحديث قطاع الطاقة وتطوير الرعاية الصحية والتعليم.

وفي نهاية المطاف، سيظل السؤال قائمًا: هل ستكون التنمية هي القاطرة التي تسحب ليبيا من مستنقع الانقسام إلى بر الأمان، أم أنها ستتحول إلى واجهة جديدة لصراع الشرعيات على المغانم والموارد؟