ذات صلة

جمع

أزمة الثقة في المؤسسات.. هل دخلت تونس مرحلة “عنق الزجاجة” في سداد الأقساط الدولية؟

تجد تونس نفسها في عام 2026 أمام واحدة من أصعب المحطات المالية في تاريخها الحديث، حيث تواجه “عنق زجاجة” حقيقي يتمثل في ضرورة سداد أقساط ديون إجمالية “داخلية وخارجية” تقدر بنحو 23 مليار دينار، وهو ما يمثل تحديًا وجوديًا لقدرة الدولة على الموازنة بين التزاماتها الدولية وتوفير الخدمات الأساسية لمواطنيها.

وتكشف البيانات المالية الرسمية، أن الحكومة مطالبة بسداد أصل دين خارجي يقدر بـ 7.9 مليار دينار، إضافة إلى فوائد تناهز 1.6 مليار دينار، مع وجود “محطة مفصلية” في شهر يوليو المقبل تتمثل في حلول أجل سداد سندات دولية (سندات اليورو) بقيمة 700 مليون يورو، هذه الضغوط المالية تأتي في ظل أزمة ثقة متنامية بين الشارع والمؤسسات الرسمية.

حيث يخشى التونسيون أن يتم توجيه كل موارد الدولة نحو الخارج لإرضاء الدائنين، مما قد يؤدي إلى مزيد من التقشف وتأخير الاستثمارات العمومية الضرورية لخلق فرص العمل، وهو ما يضع “التعويل على الذات” أمام اختبار حقيقي لا يقبل القسمة على اثنين.

وعلى الرغم من نجاح تونس في سداد ديونها لعام 2025 بالكامل، إلا أن العام الحالي 2026 يحمل تعقيدات إضافية ناتجة عن استمرار القطيعة مع صندوق النقد الدولي، مما دفع السلطات التونسية إلى الاعتماد بشكل مكثف على التمويل المباشر من البنك المركزي التونسي الذي رُخص له بإقراض الدولة نحو 11 مليار دينار لسد العجز.

وترى مصادر أن هذا التوجه، رغم أنه يحفظ السيادة الوطنية ويجنب البلاد شروط الصندوق القاسية، إلا أنه يحمل في طياته مخاطر تضخمية قد تؤدي إلى تآكل قيمة الدينار التونسي ورفع تكلفة المعيشة، كما أن لجوء الدولة للاقتراض المكثف من السوق المحلية (نحو 19 مليار دينار مبرمجة لعام 2026) بات يزاحم المؤسسات الخاصة في الحصول على السيولة اللازمة للاستثمار، مما يخلق حالة من “الركود التضخمي” الذي يضعف القدرة التنافسية للاقتصاد التونسي ويقلل من فرص النمو التي تقدرها التقارير الدولية بنحو 1.7% فقط لهذا العام.

استراتيجيات الصمود وتحديات الانفراج

في مواجهة هذه الأزمة، تراهن الحكومة التونسية على “صمام أمان” يتمثل في تحسن أداء بعض القطاعات الاستراتيجية مثل السياحة التي شهدت انتعاشة ملحوظة، وعائدات صادرات زيت الزيتون، بالإضافة إلى التدفقات القوية لتحويلات التونسيين بالخارج، والتي ساهمت في الحفاظ على مستوى مريح من احتياطي النقد الأجنبي يغطي أكثر من 100 يوم توريد.

وتؤكد التقارير أن هذه الموارد الذاتية هي التي مكنت تونس من تجنب “سيناريو التخلف عن السداد” حتى الآن، وبدأت ملامح “الانفراج التدريجي” تلوح في الأفق مع توقع تراجع ضغط الديون الخارجية ابتداءً من عام 2027، إلا أن هذا التفاؤل يبقى حذرًا ومشروطًا باستقرار أسعار الطاقة العالمية وعدم تعرض البلاد لهزات مناخية تؤثر على الإنتاج الزراعي، حيث أن أي زيادة في فاتورة دعم المحروقات قد تبتلع هوامش التحرك المالية المتاحة وتجبر الدولة على اتخاذ قرارات ضريبية أكثر قسوة لتعويض الفارق.

إن أزمة الثقة في المؤسسات لا ترتبط فقط بالقدرة على السداد، بل بمدى شفافية إدارة هذه الديون وتأثيرها على “اليوم التالي” للمواطن التونسي، فالرهان الحقيقي في عام 2026 ليس فقط في الوفاء بالأقساط الدولية، بل في استعادة ثقة المستثمرين المحليين والدوليين عبر إصلاحات هيكلية تخرج تونس من دائرة “الاقتراض لسداد الديون” إلى دائرة “الاقتراض من أجل التنمية”.

وتظل أعين المحللين شاخصة نحو البنك المركزي وكيفية إدارته للكتلة النقدية في ظل الضغوط الحكومية المتزايدة، فالتوازن بين سداد الديون والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي هو الخيط الرفيع الذي تسير عليه تونس اليوم، وبناءً على النتائج الميدانية لعام 2025، يبدو أن الدولة التونسية مصممة على المضي قدماً في نهجها المستقل، معتبرة أن كلفة “السيادة” المالية تظل أقل من كلفة الارتهان لشروط دولية قد تهدد السلم الأهلي، شريطة أن تنجح في تفعيل محركات الإنتاج المعطلة.