ذات صلة

جمع

ضريبة الدم.. كيف حرمت الميليشيات الحوثية ملايين الأطفال من التعليم؟

تعد قضية حرمان ملايين الأطفال من التعليم في اليمن...

فك الارتباط الاستراتيجي.. كيف أصبحت السفارة الإيرانية في بيروت “عبئًا” على الدولة؟

دخلت الدولة اللبنانية مرحلة سياسية وتاريخية غير مسبوقة بصدور...

تطورات “حرب المدن”.. كيف صمدت الحصون الأوكرانية أمام القصف الروسي المكثف؟

دخلت الحرب الروسية الأوكرانية عامها الرابع في 2026 محملة...

تطورات “حرب المدن”.. كيف صمدت الحصون الأوكرانية أمام القصف الروسي المكثف؟

دخلت الحرب الروسية الأوكرانية عامها الرابع في 2026 محملة بتحولات استراتيجية كبرى في مفهوم “حرب المدن”، حيث تحولت الحواضر الأوكرانية الكبرى مثل كييف، وخاركيف، وأوديسا إلى حصون دفاعية متطورة واجهت أعنف موجات القصف الصاروخي والمسير منذ اندلاع النزاع.

وتكشف المعطيات الميدانية، أن القوات الروسية اعتمدت في مطلع هذا العام استراتيجية “التشبع النوعي” التي تمزج بين الصواريخ الباليستية، وفرط الصوتية، وأسراب الطائرات المسيرة الرخيصة لضغط دورات اتخاذ القرار الدفاعي لدى الجانب الأوكراني، إلا أن المدن الأوكرانية أظهرت صمودًا غير متوقع بفضل تطوير منظومات دفاع جوي متكاملة وشبكات تحصين تحت الأرض أعادت صياغة مفهوم المقاومة الحضرية.

هذا الصمود لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تحويل البنية التحتية المدنية إلى نقاط ارتكاز عسكرية معقدة، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في رصد الأهداف الجوية المعادية، مما جعل من اختراق “الحصون المدنية” مهمة شاقة ومكلفة للغاية للجيش الروسي الذي بات يعاني من استنزاف في مخزونه من الصواريخ الدقيقة مقابل ثبات في وتيرة الدفاعات الأوكرانية المدعومة تكنولوجيًا من الغرب.

إن مفتاح الصمود الأوكراني في “حرب المدن” لعام 2026 يكمن في اللامركزية الدفاعية وتحصين المرافق الحيوية، حيث تم نقل مراكز القيادة والسيطرة ومصانع المسيرات إلى أعماق سحيقة تحت المدن، مستفيدين من شبكات المترو والملاجئ النووية التي تعود للحقبة السوفيتية.

وهذا التحول الميداني أفشل أهداف القصف الروسي المكثف الذي استهدف شل البنية التحتية للطاقة وقطع خطوط الإمداد، فبينما كانت الصواريخ الروسية تستهدف محطات التوليد السطحية، كانت المدن الأوكرانية تعتمد على “شبكات الطاقة المصغرة” والأنظمة الهجينة التي تضمن استمرار الحياة والعمليات العسكرية حتى في أحلك ظروف الحصار، بالإضافة إلى ذلك، لعبت “المقاومة الرقمية” دورًا محوريًا، حيث تم ربط ملايين المواطنين بتطبيقات رصد جوي فورية ساهمت في تحديد مسارات المسيرات الانتحارية قبل وصولها لأهدافها، مما حول كل شارع وكل مبنى إلى جزء من رادار وطني عملاق يصعب تضليله أو تدميره بضربة واحدة، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسبة اعتراض الأهداف الجوية إلى مستويات قياسية تجاوزت 90% في بعض الهجمات الليلية الكبرى بمطلع مارس 2026.

التكتيكات الروسية الجديدة وتحدي “الشفافية الميدانية”

في المقابل، لم يقف الجيش الروسي مكتوف الأيدي أمام هذا الصمود، بل طور تكتيكات “الاستنزاف المكاني” عبر استخدام القنابل الانزلاقية الثقيلة الموجهة بالأقمار الصناعية لتدمير المربعات السكنية المحصنة في مدن التماس مثل كراماتورسك وسلوفيانسك، وتعتمد روسيا في 2026 على مفهوم “الميدان الشفاف” بفضل التوسع الهائل في استخدام مسيرات الاستطلاع وأجهزة الاستشعار الفضائية التي تجعل أي تحرك أو تحصين أوكراني مكشوفًا بالكامل.

وهذا التحدي فرض على الأوكرانيين اللجوء إلى تقنيات التمويه المتقدمة والخداع البصري والإلكتروني لعرقلة دقة الضربات الروسية، إن “حرب المدن” باتت تُخاض في فضائين؛ فضاء مادي فوق الأرض وتحتها، وفضاء سيبراني يتحكم في توجيه النيران، ورغم القصف الروسي الذي دمر أجزاء واسعة من الضواحي الصناعية في خاركيف، إلا أن القوات الأوكرانية نجحت في تحويل الأنقاض إلى سواتر دفاعية يصعب على المدرعات الروسية اختراقها، مما أجبر موسكو على العودة إلى أسلوب القتال من بيت لبيت، وهو الأسلوب الذي يستنزف القوة البشرية الروسية ويمنح المدافعين أفضلية جغرافية وتكتيكية واضحة.

وتلعب العوامل النفسية واللوجستية دورًا لا يقل أهمية عن السلاح في صمود هذه الحصون، حيث تم تأمين مخازن استراتيجية للغذاء والدواء والذخيرة داخل المدن المحاصرة تكفي لعدة أشهر، مما أحبط الاستراتيجية الروسية القائمة على “التجويع والتركيع”.

وتظهر التقارير الواردة من جبهات القتال في مارس 2026، أن الروح المعنوية في المدن الأوكرانية ما تزال مرتفعة بفضل النجاحات الميدانية في ضرب العمق الروسي ومصافي النفط، مما خلق توازنًا في الردع جعل سكان المدن يشعرون بأنهم ليسوا مجرد ضحايا بل هم جزء من آلة الحرب القادرة على الرد.

هذا التحول من الدفاع السلبي إلى “الدفاع النشط” هو ما يميز المرحلة الحالية من الصراع، حيث لم تعد الحصون الأوكرانية تكتفي بصد الضربات، بل باتت منصات لإطلاق المسيرات بعيدة المدى التي تستهدف المطارات والقواعد الروسية، مما يربك حسابات الكرملين ويجبره على سحب جزء من دفاعاته الجوية من الجبهة لحماية مدنه الداخلية، وهو ما يخفف بدوره الضغط على المدن الأوكرانية المستهدفة.

مستقبل المواجهة الحضرية وآفاق الحسم العسكري

مع دخول الربيع في عام 2026، يبدو أن “حرب المدن” في أوكرانيا وصلت إلى مرحلة من الجمود الاستراتيجي المكلف للطرفين، فالقوات الروسية رغم تقدمها البطيء في بعض محاور دونيتسك، إلا أنها تفشل باستمرار في السيطرة على المراكز الحضرية الكبرى التي تحولت إلى “ثقوب سوداء” تبتلع النخبة من قواتها وآلياتها.

إن الصمود الأوكراني أعاد الاعتبار لأهمية التحصينات الأرضية في عصر الحروب الذكية، وأثبت أن التكنولوجيا مهما بلغت دقتها لا يمكنها حسم معركة داخل مدينة مصممة للدفاع المستميت، ومن المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة تصعيدًا في “حرب المسيرات” داخل المدن، مع دخول جيل جديد من المسيرات الانتحارية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي الكامل القادر على تحديد الأهداف وتجاوز التشويش الإلكتروني دون تدخل بشري، مما سيجعل من القصف الروسي المكثف أقل فعالية وأكثر عرضة للاعتراض المسبق من قبل أنظمة الدفاع الذاتية التي بدأت أوكرانيا في تصنيعها محليًا بكثافة.