تتصاعد في الآونة الأخيرة مؤشرات خطيرة تعكس عمق التحالف الاستراتيجي والأيديولوجي بين تنظيم الإخوان المسلمين في السودان والنظام الإيراني، وهو التحالف الذي لم يعد يكتفي بزعزعة استقرار الداخل السوداني وتفتيت نسيجه الاجتماعي، بل امتدت مخالبه لتستهدف أمن واستقرار دول الخليج العربي بشكل مباشر وسافر.
إن المشهد السوداني الحالي، الذي يسيطر عليه تيار إسلاموي متجذر في مفاصل المؤسسة العسكرية، بات يشكل منصة انطلاق لخطاب كراهية عابر للحدود، حيث يتسابق قادة التنظيم والضباط الموالون له في تقديم فروض الطاعة لطهران عبر تبني سيناريوهات تدميرية تستهدف البنية التحتية والمقدرات الحيوية للأشقاء في الخليج، في محاولة يائسة من التنظيم الدولي للحفاظ على موطئ قدم له في المنطقة بعد تهاوي قلاعه في مصر وتونس وليبيا، مما جعل من الخيار الإيراني طوق نجاة أخيراً لفلول النظام البائد في الخرطوم الذين لم تردعهم حرمة دماء أبناء جلدتهم عن استباحة أمن الأشقاء العرب.
ويبرز في هذا السياق التحريضي المقيت اسم العميد طارق الهادي كيجاب، الضابط الطبيب والقيادي الإخواني البارز في الجيش السوداني، الذي تحول من دور الرعاية الطبية المفترضة إلى مهندس لسيناريوهات الموت والإبادة الجماعية عبر منصات التواصل الاجتماعي.
فقد صدم كيجاب الرأي العام العربي بمقطع مصور ينضح بالحقد والغل، محرضًا الحرس الثوري الإيراني على قصف محطات تحلية المياه وتوليد الكهرباء في السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين، مدعيًا في نشوة سادية أن استهداف هذه المنشآت الحيوية في ذروة فصل الصيف كفيل بقتل ملايين الخليجيين عطشًا أو حرقًا داخل “الغابات الخرسانية” التي تعتمد كليًا على التبريد.
إن هذا الخطاب لا يمثل مجرد شطحات فردية، بل هو انعكاس لعقيدة إخوانية ترى في تدمير الاستقرار العربي وسيلة للتمكين، حيث تتقاطع مصالحهم مع المشروع الإيراني التوسعي الذي يسعى لتطويق المنطقة العربية من الشرق والشمال والآن من البوابة السودانية المطلة على البحر الأحمر.
العميد كيجاب.. المتحدث غير الرسمي وأدوار الفتنة
لم تكن أدوار العميد كيجاب وليدة الصدفة، بل هي نتاج مسيرة طويلة من العمل داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للتنظيم الإخواني في السودان، حيث لعب دورًا محوريًا في تهيئة البيئة الخصبة للتحريض العرقي والديني الذي ترجمته المليشيات المسلحة قتلاً وترويعًا في شوارع المدن السودانية.
وعلى الرغم من خلفيته الطبية في “السلاح الطبي” بالخرطوم وعدم خوضه حروباً ميدانية حقيقية، إلا أنه برز منذ اندلاع صراع أبريل 2023 كصوت “تعبوي” للجيش على مواقع التواصل الاجتماعي، مستغلاً غطاء الرتبة العسكرية لتمرير أجندة “الحركة الإسلامية” المتطرفة.
ويبدو أن صمت القيادة العسكرية الحالية عن تصريحاته، بل وتوفير المنصات له، يشير إلى مباركة ضمنية لهذا التوجه الذي يسعى لمقايضة الموقف العربي الرافض للتدخلات الإيرانية بفتح أبواب السودان على مصراعيها لنفوذ طهران، في محاكاة صريحة لنموذج “الحوثي” في اليمن ولكن بصبغة إخوانية سودانية.
وتكشف مواقف كيجاب السابقة عن محاولات مستميتة لقلب الحقائق وتزييف الوعي الشعبي، حيث دأب على وصف الولايات المتحدة وإسرائيل بالعدو الحقيقي الوحيد، مدافعًا -في الوقت نفسه- عن الاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السفن والمنشآت الخليجية باعتبارها “دفاعًا عن النفس”.
هذا الانحياز الفج لإيران يأتي في وقت تزداد فيه العزلة الدولية على إخوان السودان، خاصة بعد تصنيف واشنطن للتنظيم كمنظمة إرهابية عالمية وفضح تورط كتائب “لواء البراء بن مالك” في انتهاكات مروعة ضد المدنيين السودانيين.
إن كيجاب، ومن خلفه تيار واسع داخل الجيش، يسعون لإلباس التبعية لطهران ثوب “المقاومة والسيادة”، بينما الحقيقة هي ارتماء كامل في أحضان مشروع ولاية الفقيه مقابل الحصول على المسيرات والأسلحة الإيرانية لترجيح كفتهم في الصراع الداخلي، حتى لو كان الثمن هو إحراق العمق الاستراتيجي العربي وتهديد أمن الطاقة العالمي.
الحضور الإيراني في بورتسودان.. ملامح التحالف الجديد
لم يعد التحالف بين إخوان السودان وإيران حبيس الغرف المغلقة أو مقاطع الفيديو التحريضية، بل تجسد بشكل علني في الأنشطة السياسية والاجتماعية بمدينة بورتسودان، العاصمة المؤقتة للحكومة الحالية.
فالحضور اللافت للقائم بالأعمال الإيراني، محمد حسن خيري، في فعاليات نظمتها حركات مسلحة موالية للإخوان مثل حركة “العدل والمساواة” بقيادة جبريل إبراهيم، يبعث برسائل مشفرة للدول العربية والمجتمع الدولي حول هوية الحليف الجديد للخرطوم، وإن هذا التقارب المتسارع، الذي يباركه وزراء وقيادات عسكرية، يهدف إلى تحويل السودان إلى حلقة وصل لوجستية واستراتيجية في معادلة الصراع البحري بساحل البحر الأحمر، مما يمنح طهران القدرة على تهديد الملاحة الدولية من جهة ثانية بالتوازي مع جبهة باب المندب، وهو مخطط إيراني قديم جرى إحياؤه بمساعدة الإخوان الذين يسيطرون على مفاصل القرار العسكري والسياسي في بورتسودان حاليًا.
وفي هذا الصدد، تشير التقارير الاستخباراتية والسياسية إلى أن الحرس الثوري الإيراني بدأ بالفعل في تقديم الدعم الفني والتدريبي لمقاتلين مرتبطين بكتائب الظل الإخوانية، وهو ما أكده مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي، مشيرًا إلى أن هذا الدعم يستهدف تقوية فصائل مثل “البراء بن مالك” المسؤولة عن عمليات إعدام وتصفيات عرقية.
إن هذا “المثلث التخريبي” المكون من طهران وإخوان السودان ومليشياتهم المسلحة، يضع الأمن القومي العربي في مواجهة تحدٍ وجودي، حيث يتم استغلال مأساة الشعب السوداني لتحويل بلادهم إلى “تروزاد” إيراني يهدد استقرار الخليج العربي، وإن المحلل السياسي سيبويه يوسف يؤكد أن هذا الوجود ليس جديدًا بل هو امتداد لعلاقات أيديولوجية عميقة تربط التيار الإسلاموي السوداني بالمشروع الإيراني منذ تسعينيات القرن الماضي، ولكنها اليوم تخرج للعلن بلهجة أكثر عدوانية وتحريضًا ضد الأشقاء العرب الذين لم يتوانوا يومًا عن دعم السودان وشعبه.
خطر الإرهاب العابر للحدود وتداعياته
إن خطورة تيار “كيجاب” وناجي عبدالله وغيرهم من قادة الإخوان تكمن في قدرتهم على تجنيد العواطف الدينية لخدمة أجندات تدميرية، حيث يتم تصوير الهجوم على دول الخليج كجزء من “معركة التحرر”، بينما هو في الحقيقة خدمة مجانية للتمدد الفارسي في القارة الأفريقية وإن التحريض على ضرب محطات التحلية والكهرباء ليس مجرد تهديد عسكري، بل هو إعلان عن نية ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق ملايين المدنيين، وهو ما يستدعي تحركًا عربيًا ودوليًا حازمًا لمحاصرة هذا الفكر المتطرف ومنع تحويل السودان إلى بؤرة للإرهاب العابر للحدود، وإن الصمت على تغلغل الإخوان في مفاصل الجيش السوداني وارتباطهم بالحرس الثوري سيؤدي حتمًا إلى زعزعة استقرار الممرات المائية الحيوية، وسيعطي الضوء الأخضر لإيران لمواصلة عبثها بالأمن العربي عبر وكلاء جدد لا يملكون ذرة من الانتماء لعروبتهم أو أوطانهم.

