يواجه الاقتصاد الليبي تحديات هيكلية ونقدية غير مسبوقة، حيث تزداد حدة أزمة السيولة والعملة الصعبة بشكل يهدد الاستقرار المعيشي للمواطنين، وفي قلب هذا المشهد المعقد يبرز السؤال، كيف يفقد المصرف المركزي الليبي السيطرة على سعر الصرف؟
إن الإجابة تكمن في تداخل معقد بين الانقسام السياسي المستمر واختلال ميزان المدفوعات، حيث أدى الاعتماد شبه الكلي على إيرادات النفط المتذبذبة إلى جعل العملة المحلية (الدينار) رهينة للتقلبات العالمية في أسعار الطاقة وللتجاذبات السياسية الداخلية التي تعيق توحيد السياسة النقدية.
ومع زيادة الطلب على الدولار لتمويل الاستيراد وسداد الالتزامات الخارجية، وجد المصرف المركزي نفسه أمام استنزاف مستمر للاحتياطيات النقدية، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية (السوداء)، وهو ما أفقد الأدوات التقليدية للمصرف المركزي فاعليتها في كبح جماح التضخم أو توفير السيولة الكافية في المصارف التجارية التي باتت تعاني من طوابير يومية للمواطنين الباحثين عن مدخراتهم.
وتشير التقارير الاقتصادية الميدانية أن فقدان السيطرة على سعر الصرف لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمية لسياسات التوسع النقدي وزيادة الإنفاق الحكومي غير المدروس، حيث تم ضخ كميات كبيرة من العملة المحلية في السوق دون وجود غطاء كافٍ من النقد الأجنبي، مما أدى إلى انخفاض القيمة الشرائية للدينار بشكل حاد.
وفي ظل غياب التوافق على ميزانية موحدة وإدارة شفافة للموارد، تزايدت عمليات تهريب العملة والمضاربة في الأسواق السوداء التي باتت هي المحرك الفعلي لأسعار السلع والخدمات، ويجد المصرف المركزي نفسه في موقف دفاعي، حيث يحاول عبر فرض قيود على الاعتمادات المستندية ومنظومة الأغراض الشخصية تقنين خروج الدولار، إلا أن هذه الإجراءات غالبًا ما تأتي بنتائج عكسية، إذ تزيد من حالة الهلع لدى المودعين وتدفعهم نحو سحب أموالهم من القطاع المصرفي وتخزينها كعملة صعبة أو ذهب، مما يعمق أزمة السيولة النقدية داخل البنوك ويشل الحركة التجارية.
تداعيات الانقسام المؤسسي على استقرار الدينار الليبي
يعتبر الانقسام الإداري والمؤسسي بين شرق البلاد وغربها أحد أهم الأسباب التي أدت إلى تآكل سلطة المصرف المركزي على السياسة النقدية، حيث أدى وجود مراكز قرار موازية إلى تشتت الجهود الرقابية وضياع التنسيق اللازم لإدارة التدفقات النقدية، وهذا التشرذم سمح بظهور شبكات من المضاربين والمنتفعين الذين يستغلون اختلاف الأسعار والقرارات لتحقيق أرباح طائلة على حساب الاقتصاد الوطني.
ومع استمرار النزاع حول إدارة العائدات النفطية وتوزيعها، تراجعت الثقة الدولية في المنظومة المصرفية الليبية، مما صعب من عمليات التحويل الخارجي وزاد من تكلفة استيراد السلع الأساسية، إن فقدان المصرف المركزي لقدرته على فرض سعر صرف موحد ومستقر يعكس في جوهره أزمة سيادة وطنية على الموارد المالية، حيث أصبحت السوق الموازية هي “البورصة” الفعلية التي تحدد مصير الأسعار، وسط عجز حكومي عن تقديم بدائل اقتصادية تخرج البلاد من نفق التبعية المطلقة للنفط والارتهان لتقلبات الدولار.
بالإضافة إلى ذلك، تلعب العوامل الهيكلية في الجهاز المصرفي الليبي دورًا سلبيًا في تفاقم الأزمة، حيث تعاني المصارف التجارية من تقادم في الأنظمة التقنية وضعف في الحوكمة، مما يجعل عملية توزيع السيولة تتسم بالمحسوبية والفساد في بعض الأحيان.
وهذا الوضع دفع المواطنين والشركات إلى العزوف عن إيداع أموالهم في المصارف، مفضلين الاحتفاظ بها في “صناديق خاصة” خارج الدورة الاقتصادية الرسمية، مما حرم المصرف المركزي من أهم أدواته لجمع السيولة وإعادة ضخها.
وتؤكد التحليلات أن استعادة السيطرة على سعر الصرف تتطلب أولاً استعادة الثقة في النظام المصرفي عبر إصلاحات جذرية تشمل توحيد المؤسسات المالية، وتفعيل الرقابة الصارمة على شركات الصرافة، وضمان تدفق مستمر ومنتظم لإيرادات النفط بعيداً عن الصراعات المسلحة، وبدون هذه الخطوات ستظل الليرة الليبية في دوامة الهبوط المستمر أمام الدولار، مما يهدد بانهيار كامل للقوة الشرائية للمواطن.
الطلب المتزايد على الدولار وسيناريوهات الإنقاذ الممكنة
مع دخول عام 2026، سجل الطلب على الدولار في ليبيا أرقاماً قياسية نتيجة لزيادة حاجة القطاع الخاص لاستيراد المواد الخام والسلع الاستهلاكية، فضلاً عن رغبة المواطنين في تحويل مدخراتهم لعملة صعبة تحميهم من التضخم المفرط.
وهذا الطلب المرتفع يقابله عرض محدود من المصرف المركزي الذي يخشى استنفاد ما تبقى من احتياطيات النقد الأجنبي، مما يخلق حالة من “العطش الدولاري” تؤدي آليًا إلى ارتفاع سعر الصرف في السوق السوداء.
ويرى خبراء، أن لجوء المصرف المركزي إلى تعديل سعر الصرف الرسمي أو فرض رسوم إضافية على مبيعات العملة الصعبة هو مجرد “مسكنات” مؤقتة لا تعالج أصل المشكلة، بل قد تساهم في رفع تكاليف المعيشة بشكل أكبر، إن الحل الحقيقي يكمن في تنويع مصادر الدخل القومي وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وهو أمر يتطلب بيئة أمنية وسياسية مستقرة لا تتوفر حالياً في ظل التجاذبات الراهنة.
خارطة طريق لاستعادة التوازن النقدي في ليبيا
يظل مستقبل الدينار الليبي مرهونًا بالقدرة على تحقيق توافق وطني شامل ينهي حالة الانقسام المؤسسي ويوحد بوصلة السياسة النقدية والمالية، إن فقدان المصرف المركزي للسيطرة على سعر الصرف هو جرس إنذار يستوجب التحرك الفوري نحو تطبيق معايير الحوكمة والشفافية، وتفعيل دور القطاع الخاص ليكون شريكًا في التنمية بدلاً من كونه مجرد مستهلك للعملة الصعبة.
كما يجب على السلطات النقدية العمل على تطوير النظام المصرفي الرقمي لتسهيل المعاملات وتقليل الاعتماد على السيولة النقدية الورقية التي باتت “عملة نادرة”.
إن استعادة التوازن النقدي ليست مجرد عملية حسابية للأرقام، بل هي عملية بناء ثقة مفقودة بين المواطن ومؤسساته المالية، وبدون استقرار سياسي وأمني حقيقي، ستظل الجهود الاقتصادية تدور في حلقة مفرغة، وسيبقى الدولار هو الحاكم الفعلي للسوق الليبية، مما يستوجب وضع استراتيجية وطنية شاملة للإنقاذ الاقتصادي تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.

