ذات صلة

جمع

أزمة السيولة في ليبيا.. كيف فقد المصرف المركزي بوصلة التحكم في سعر الصرف؟

يواجه الاقتصاد الليبي تحديات هيكلية ونقدية غير مسبوقة، حيث...

التعذيب حتى الموت.. سجل أسود لميليشيا الحوثي في تصفية المعارضين سياسيًا

تتصاعد التقارير الحقوقية الدولية والمحلية لتكشف النقاب عن واحدة...

زوال “التمكين”.. كيف تهاوت إمبراطورية الإخوان الاقتصادية في الخرطوم والولايات؟

يشهد السودان فصلاً جديدًا وحاسمًا من فصول استرداد الدولة،...

أمن الطاقة في لبنان.. هل تنجح الاستثمارات البديلة في كسر احتكار المحروقات المستوردة؟

يدخل لبنان وهو ما يزال يكافح في قلب واحدة من أعقد أزمات الطاقة في تاريخه الحديث، حيث يمثل ملف أمن الطاقة التحدي الأبرز لاستقرار الدولة الهش، فبينما يرزح المواطن اللبناني تحت وطأة الفواتير المرتفعة للمولدات الخاصة التي باتت تتحكم في مفاصل الحياة اليومية، يبرز تساؤل جوهري حول قدرة الاستثمارات البديلة على كسر احتكار شركات استيراد المحروقات.

فالدولة اللبنانية أنفقت ما يقارب 57 مليار دولار على استيراد الوقود بين عامي 2000 و2022، وهو ما يعادل نسبة هائلة من الناتج المحلي الإجمالي، مما جعل الاقتصاد رهينة لتقلبات أسعار النفط العالمية وتوترات الممرات المائية الإقليمية.

وفي ظل الارتفاعات الأخيرة في أسعار خام برنت والتهديدات التي مست سلاسل التوريد عبر مضيق هرمز نتيجة النزاعات الإقليمية، أصبح التحول نحو الطاقة المتجددة ليس مجرد خيار بيئي، بل ضرورة أمنية قومية تهدف إلى انتشال البلاد من “فخ الوقود الأحفوري” الذي استنزف الاحتياطيات النقدية وترك البلاد في ظلام دامس لساعات طويلة يوميًا نتيجة عجز مؤسسة كهرباء لبنان عن تأمين الفيول الكافي لتشغيل المعامل.

إن كسر احتكار المحروقات المستوردة يتطلب استراتيجية وطنية تتجاوز الحلول الترقيعية، حيث تشير التقارير الاقتصادية لعام 2026 إلى أن لبنان بدأ بالفعل في خطوات خجولة نحو اللامركزية في إنتاج الطاقة، بفضل الطفرة التي شهدها قطاع الطاقة الشمسية المنزلي منذ عام 2021، إلا أن هذا التحول الفردي لا يكفي لتأمين احتياجات القطاعات الإنتاجية والصناعية الكبرى التي ما تزال تعتمد بشكل كلي على المازوت المستورد.

ومن هنا تبرز أهمية المشروعات الكبرى التي أطلقتها وزارة الطاقة والمياه، مثل مناقصات إنشاء محطات الطاقة الشمسية بقدرات تصل إلى 100 ميغاواط بالتعاون مع تحالفات دولية مثل توتال إنرجي وقطر للطاقة، وهذه المشروعات تهدف إلى إدخال “المنتجين المستقلين للطاقة” (IPPs) إلى السوق اللبنانية، مما قد يؤدي في حال نجاحه إلى تقليل هيمنة كارتيلات النفط التي استفادت لعقود من غياب البدائل الوطنية، غير أن نجاح هذه الاستثمارات مرهون بتوفر غطاء تشريعي وقانوني يحمي المستثمرين ويضمن استدامة تدفق التمويل الدولي، خاصة مع وجود دراسات تؤكد أن استثمار نحو 191 مليون دولار في إجراءات خفض المخاطر المالية قد يحرر استثمارات من القطاع الخاص تصل إلى 743 مليون دولار في مجال الطاقة الخضراء.

عقبات التمويل والتشريعات أمام طفرة الطاقة المتجددة

رغم التفاؤل الذي تبديه الجهات الرسمية، تصطدم الاستثمارات البديلة في لبنان بجدار من التحديات المؤسسية والمالية التي تعيق تقدمها بالسرعة المطلوبة، فالمستثمر الدولي ما يزال ينظر بعين الريبة إلى النظام المصرفي اللبناني المنهار وغياب الثقة في استقرار العملة المحلية، مما يجعل تمويل مشاريع الرياح والطاقة الشمسية واسعة النطاق عملية محفوفة بالمخاطر العالية.

كما أن “قانون الطاقة المتجددة الموزعة” الذي يهدف إلى السماح بتبادل الطاقة بين القطاع الخاص ما يزال يواجه عقبات في التنفيذ الفعلي على أرض الواقع نتيجة البيروقراطية وتضارب المصالح السياسية.

إن الارتباط الوثيق بين الطبقة السياسية وقطاع استيراد النفط يمثل عائقاً غير مرئي أمام أي إصلاح حقيقي، حيث يرى البعض أن هناك محاولات متعمدة لعرقلة وصول لبنان إلى الاكتفاء الذاتي من الطاقة لضمان استمرار تدفق الأرباح من تجارة المولدات والفيول، ولذلك فإن كسر هذا الاحتكار يحتاج إلى إرادة سياسية صلبة تضع مصلحة المواطن فوق مصالح “أصحاب النفوذ النفطي” وتفتح الباب أمام المنافسة الشريفة في إنتاج الطاقة النظيفة.

وتلعب المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد دورًا محوريًا في هذا التحول من خلال تقديم منح وقروض ميسرة مشروطة بإجراء إصلاحات هيكلية في قطاع الكهرباء.

وفي مطلع عام 2026، وقعت الحكومة اللبنانية اتفاقيات لدعم مشاريع الطاقة الشمسية على مستوى المرافق العامة، وهو ما يعكس عودة تدريجية للثقة الدولية في هذا القطاع، ولكن هذه المساعدات تظل مرتبطة بمدى قدرة الدولة على فرض الشفافية ومنع ممارسات الفساد التي نخرت جسد وزارة الطاقة لسنوات، فالاستثمارات البديلة لا تقتصر فقط على الألواح الشمسية، بل تشمل أيضاً إمكانية التنقيب عن الغاز الطبيعي في البلوكات البحرية (مثل البلوك رقم 8 و9)، والتي يأمل لبنان أن تكون رافعة للاقتصاد الوطني، ومع ذلك يظل الغاز وقودًا أحفوريًا قد يخفف من كلفة الاستيراد ولكنه لن يحل أزمة التبعية لمصادر الطاقة الناضبة، مما يعيد التأكيد على أن الاستثمار في الرياح والشمس هو الحل الوحيد طويل الأمد لتحقيق استقلالية طاقية كاملة بعيدًا عن تقلبات الجغرافيا السياسية وحروب الطاقة في المنطقة.

تداعيات غياب أمن الطاقة على القطاع الصحي والصناعي

إن الفشل في تأمين بدائل مستدامة للمحروقات المستوردة لا تقتصر آثاره على الظلام فقط، بل تمتد لتضرب أسس المجتمع اللبناني في مقتل، فالقطاع الصحي في لبنان يعيش حالة من الاستنزاف الدائم نتيجة الاعتماد على المولدات الخاصة التي تستهلك كميات ضخمة من المازوت وتنفث سمومها في المناطق المكتظة بالسكان؛ مما أدى إلى زيادة ملحوظة في الأمراض التنفسية والقلبية بحسب دراسات طبية حديثة، وكذلك القطاع الصناعي الذي فقد قدرته التنافسية أمام المنتجات المستوردة بسبب ارتفاع كلفة الطاقة التي تمثل أحيانًا أكثر من 40% من تكلفة الإنتاج.

ومن هنا فإن التحول نحو الطاقة البديلة يمثل طوق نجاة لهذه القطاعات الحيوية، حيث يمكن للمصانع والمستشفيات التي استثمرت في أنظمة الطاقة الشمسية الهجينة تقليل نفقاتها التشغيلية بنسبة تصل إلى 60%، مما يساهم في خفض أسعار السلع والخدمات للمواطن النهائي، وهذا يؤكد أن أزمة الطاقة في لبنان هي محرك أساسي للتضخم، وأن حلها هو المدخل الإلزامي لأي تعافٍ اقتصادي شامل يطمح إليه اللبنانيون في عام 2026 وما بعده.

يبدو أن لبنان يقف عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما الاستسلام لواقع التبعية المطلقة لكارتيلات المحروقات والارتهان لأسواق النفط العالمية المتقلبة، وإما الانطلاق نحو “ثورة خضراء” تدعمها الاستثمارات الدولية والوعي الشعبي المتزايد.

إن كسر احتكار المحروقات ليس مجرد عملية تقنية لتركيب ألواح شمسية، بل هو معركة لتحرير القرار الاقتصادي الوطني من قيود المصالح الضيقة، فالاستثمارات البديلة أثبتت جدواها على نطاق ضيق في المنازل والمؤسسات الصغيرة، وحان الوقت لتوسيع هذه التجربة لتشمل الشبكة الوطنية بالكامل عبر شراكات حقيقية بين القطاعين العام والخاص، إن أمن الطاقة في لبنان هو العمود الفقري لاستعادة السيادة الوطنية، وما لم تنجح الدولة في تأمين مصادر طاقة محلية ومستدامة، ستظل البلاد عرضة للهزات الارتدادية لكل أزمة سياسية أو عسكرية تقع في المنطقة، مما يجعل من عام 2026 عام الحسم في تقرير مصير الطاقة في “بلد الأرز”.