يشهد السودان فصلاً جديدًا وحاسمًا من فصول استرداد الدولة، حيث تتسارع الخطى لتفكيك ما عُرف بـ “إمبراطورية التمكين” الاقتصادية التي شيدتها الحركة الإسلامية (إخوان السودان) على مدار ثلاثة عقود من الحكم الشمولي.
فمنذ سقوط نظام البشير، بدأت الدولة السودانية معركة “رأس الرمح” لتطهير المؤسسات المالية والاقتصادية من جيوب النظام البائد، حيث كشفت التحقيقات واللجان المختصة عن شبكة معقدة من الشركات والواجهات التجارية التي كانت تسيطر على مفاصل الاقتصاد الوطني في الخرطوم ومختلف الولايات.
هذه الإمبراطورية لم تكن مجرد استثمارات عادية، بل كانت منظومة متكاملة لتمويل أنشطة التنظيم الدولي وحرمان الشعب السوداني من موارده القومية، ومن خلال عمل لجنة تفكيك نظام الـ30 من يونيو، تم استرداد آلاف العقارات ومئات الشركات ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية التي تم الحصول عليها عبر المحسوبية والفساد الممنهج، مما أدى إلى تهاوي هذه المنظومة وتجفيف منابع التمويل التي كانت تغذي “دولة الظل” وتعوق مسار التحول الديمقراطي في البلاد.
وتشير التقارير الاقتصادية الميدانية إلى أن عملية “زوال التمكين” لم تقتصر على مصادرة الأصول فحسب، بل شملت كشف الآليات السرية التي استخدمها الإخوان للتغلغل في القطاع المصرفي والتحكم في سعر صرف العملة والمضاربة في السلع الأساسية.
حيث كانت الحركة الإسلامية تدير “بنكًا موازيًا” يضم رؤوس أموال ضخمة تم تهريب جزء كبير منها إلى الخارج عبر شركات “أوفشور” وحسابات سرية في دول إقليمية ودولية، ومع استئناف عمل لجنة التفكيك بصلاحيات واسعة في عام 2026.
بدأت ملاحقة هذه الأموال المنهوبة بالتنسيق مع جهات دولية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، إن انهيار هذه الإمبراطورية في الخرطوم والولايات أحدث زلزالاً داخل بنية النظام القديم، حيث فقدت القيادات الإخوانية القدرة على تحريك الشارع أو شراء الولاءات، مما ساهم في استقرار نسبي للمؤشرات الاقتصادية بعد استعادة الدولة لولايتها على المال العام وتوجيه هذه الموارد المستردة لدعم ميزانية التعليم والصحة ومشاريع التنمية التي تعطلت لسنوات طويلة بسبب سياسات التمكين الإقصائية.
تفكيك شركات “الواجهة” واستعادة السيادة على الموارد الوطنية
لقد اعتمد تنظيم الإخوان في السودان على استراتيجية “شركات الواجهة” التي كانت تظهر بمظهر المؤسسات الوطنية الخاصة بينما هي في الحقيقة أذرع مالية للحركة الإسلامية تدار بواسطة كوادر مدربة بعناية.
هذه الشركات سيطرت على قطاعات حيوية مثل الاتصالات، والذهب، واستيراد الوقود، والمقاولات الحكومية، مما خلق حالة من الاحتكار الكامل للسوق السودانية وقتل روح المنافسة الشريفة.
وفي عام 2026، نجحت السلطات السودانية في وضع اليد على ملفات “الأمن الشعبي” التي كانت تشرف على هذه الاستثمارات، مما أدى إلى كشف تورط شخصيات نافذة في عمليات غسيل أموال وتهرب ضريبي بمليارات الدولارات.
إن تفكيك هذه الشركات لم يكن مجرد إجراء انتقامي، بل كان خطوة ضرورية لإصلاح البيئة الاستثمارية في السودان وجذب رؤوس الأموال الأجنبية التي كانت تتخوف من السيطرة الإخوانية على القضاء والمنظومة العدلية، والآن ومع عودة هذه الأصول للدولة، بدأت ملامح عهد جديد تتشكل، حيث تُدار الموارد بشفافية ومساءلة تحت إشراف لجان رقابية وطنية ودولية تضمن عدم عودة الفساد تحت مسميات جديدة.
علاوة على ذلك، امتدت يد التفكيك لتطال المنظمات “الخيرية” الوهمية التي كانت تستخدم كغطاء لجمع التبرعات الدولية وتمويل النشاط السياسي والعسكري للتنظيم، حيث تبين أن العديد من هذه المنظمات كانت تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي في ولايات الجزيرة ونهر النيل والقضارف، وتستخدم عوائدها في دعم ميليشيات مسلحة تابعة للنظام البائد.
إن تهاوي هذه الإمبراطورية الاقتصادية في الولايات أدى إلى إضعاف نفوذ “الولاة” السابقين وشيوخ القبائل الموالين للإخوان، مما سمح للسلطات المحلية بتوزيع الأراضي والفرص الاقتصادية بشكل عادل على المواطنين والشباب، وهذا التغيير الهيكلي في ملكية الأرض ووسائل الإنتاج يعتبر “رأس الرمح” في عملية التغيير الاجتماعي بالسودان، إذ ينهي عقودًا من التمييز الممنهج على أسس حزبية طائفية، ويؤسس لدولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع أمام الفرص الاقتصادية، بعيدا٥ عن صكوك الغفران السياسية التي كان يوزعها إخوان السودان خلال فترة تمكينهم المظلمة.
يمثل تهاوي إمبراطورية الإخوان الاقتصادية في الخرطوم والولايات انتصاراً لإرادة الشعب السوداني ورسالة واضحة بأن عهد “التمكين” قد انتهى بلا عودة، وإن استعادة السيادة الوطنية على الموارد المالية هي الضمانة الوحيدة لمنع الارتداد نحو الديكتاتورية مرة أخرى، فالحركة الإسلامية في السودان راهنت لسنوات على قوتها المالية لإخضاع الخصوم وشراء الذمم، ولكن مع جفاف منابع التمويل وتفكيك أذرعها الاقتصادية، أصبحت اليوم كيانًا هزيلاً يواجه مصيره أمام المحاكم العادلة.
إن تجربة السودان في عام 2026 في ملاحقة الفساد وتفكيك منظومات “دولة الظل” تعتبر نموذجًا ملهمًا لدول المنطقة التي تعاني من توغل التنظيمات الأيديولوجية في مفاصل الاقتصاد، ويبقى التحدي الأهم هو استمرار اليقظة الثورية والرقابة القانونية لضمان عدم نشوء “تمكين جديد” تحت أي غطاء سياسي آخر، فالسودان الجديد يُبنى على أنقاض الإمبراطورية المنهارة، وبسواعد أبنائه الطامحين لدولة العدالة والرفاه والشفافية.

