ذات صلة

جمع

طارق الهادي كيجاب.. طبيب العظام الذي تحول إلى مهندس لخطاب الكراهية في السودان

تتصاعد في الآونة الأخيرة الأصوات المحذرة من الدور الخطير...

جرائم ضد الملاحة.. كيف تهدد ميليشيا الحوثي الملاحة الدولية عبر استغلال موانئ اليمن؟

كشفت التقارير الميدانية والاستخباراتية الأخيرة تصاعد خطير في وتيرة...

ركود تضخمي يضرب الأسواق.. كيف غيّر الغلاء بوصلة التسوق للعائلات العراقية؟

دخلت الأسواق العراقية نفقًا مظلمًا من "الركود التضخمي"، حيث...

نهاية المناورة.. لماذا فشل “براجماتيو” الإخوان في الهروب من مقصلة التصنيف الدولي؟

شكّل قرار الولايات المتحدة الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين...

لبنان تحت مقصلة الجباية.. كيف تحولت موازنة 2026 إلى عبء ثقيل على جيوب الفقراء؟

يواجه المواطن اللبناني في مارس 2026 فصلاً جديدًا من فصول التضييق المعيشي، مع دخول مقتضيات موازنة العام الجديد حيز التنفيذ، والتي وصفتها أوساط اقتصادية بـ “موازنة الجباية القسرية”.

فبينما تروج الحكومة لهذه الموازنة على أنها “متوازنة حسابيًا” وخالية من العجز، يرى الواقع الميداني عكس ذلك؛ إذ تم تحقيق هذا التوازن عبر التوسع في الضرائب غير المباشرة التي تطال السلع الاستهلاكية الأساسية.

وعلى رأس هذه الإجراءات، رفعت الحكومة ضريبة القيمة المضافة (VAT) من 11% إلى 12%، وفرضت رسمًا إضافيًا على صفيحة البنزين بقيمة 320 ألف ليرة، مما تسبب في موجة غلاء فورية طالت قطاعات النقل والإنتاج، وجعل من “كسرة الخبز” وتكاليف التنقل عبئاً لا يطاق على كاهل أكثر من 80% من السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر المتعدد الأبعاد.

وتكمن خطورة موازنة 2026 في اعتمادها المفرط (بنسبة تتجاوز 80%) على الضرائب غير المباشرة، وهي ضرائب “عمياء” لا تميز بين الغني والفقير، بل تستنزف الحصة الأكبر من دخل الأسر المحدودة، وبالإضافة إلى زيادة الـ VAT، استحدثت الموازنة “ضريبة مسبقة” بنسبة 3% على المستوردين والشركات التي لم تقدم تصاريحها، وهو ما انعكس سريعًا بزيادة في أسعار السلع المستوردة.

كما طالت الرسوم الجديدة معاملات “عقود البيع غير المسجلة” والخدمات العامة، حيث يتم احتساب الرسوم على سعر صرف 89500 ليرة للدولار؛ مما أدى إلى شلل في حركة العقارات وزيادة الأعباء على المواطنين الذين يحاولون تسوية أوضاعهم القانونية في ظل انعدام الثقة بالقطاع المصرفي وغياب الائتمان.

الفجوة الاجتماعية وغياب الرؤية الإنقاذية

يرى المحللون، أن موازنة 2026 هي “إدارة للأزمة وليست خروجًا منها”؛ فهي تفتقر إلى أي رؤية استراتيجية لإعادة الإعمار أو تصحيح الأجور بشكل حقيقي يتناسب مع نسبة التضخم التي عادت لترتفع في الربع الأول من عام 2026، وبينما خُصصت مبالغ زهيدة لا تتجاوز 11% من النفقات للاستثمارات والصيانة، ذهبت الحصة الكبرى للنفقات الجارية والرواتب التي فقدت قيمتها الشرائية تمامًا.

هذا “الانضباط المحاسبي الزائف” أثار غضب الهيئات النقابية وسائقي السيارات العمومية الذين خرجوا في تظاهرات حاشدة ببيروت والمحافظات احتجاجًا على “تسونامي الضرائب”، محذرين من انفجار اجتماعي شامل إذا لم يتم التراجع عن الرسوم التي تستهدف “جيوبًا خاوية” في ظل غياب أبسط الخدمات العامة من كهرباء ومياه وطبابة.

وفي ظل هذا التخبط، يبرز التساؤل حول دور المؤسسات الدولية؛ فبينما يوافق البنك الدولي على تمويلات جديدة (نحو 350 مليون دولار) لدعم شبكة الأمان الاجتماعي، تلتهم الضرائب الجديدة هذه المساعدات من الجهة الأخرى عبر رفع كلفة المعيشة.

إن استمرار السلطة في اتباع “نهج الجباية السهل” دون المساس بمصالح كبار الرأسماليين أو معالجة ملفات التهرب الضريبي والتهريب عبر الحدود المشرعة، يكرس واقع “الطبقية الاستهلاكية” ويقضي على ما تبقى من رمق لدى الطبقة الوسطى، ليظل المواطن اللبناني في عام 2026 عالقًا بين “مقصلة الجباية” وغياب الدولة، في مشهد يوحي بأن الحلول المالية ما تزال تُبنى على أنقاض كرامة الإنسان لا على أسس الإصلاح البنيوي الحقيقي.