شكّل قرار الولايات المتحدة الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كمنظمة إرهابية، والذي دخل حيز التنفيذ رسميًا في 16 مارس 2026، ضربة قاصمة لاستراتيجية “المناورة والبقاء” التي انتهجها تيار “البراجماتيين” داخل التنظيم، فهذا الجناح، الذي حاول طوال الأشهر الماضية النأي بنفسه علنًا عن خطابات التحريض على الحرب وعن أفعال “جناح الصقور” المتشدد، وجد نفسه اليوم تحت طائلة ذات العقوبات والملاحقات الدولية.
وترى مصادر، أن فشل هؤلاء في الهروب من “مقصلة التصنيف” يعود إلى الارتباط العضوي والهيكلي في التمويل والقرار؛ حيث أثبتت التقارير الاستخباراتية والمالية أن “الواجهات المدنية” التي كان يقودها البراجماتيون هي ذاتها التي كانت تدير “الأخطبوط المالي” الممول للعمليات العسكرية و”كتائب الظل”، مما جعل محاولاتهم للقفز من السفينة الغارقة مجرد “تقية سياسية” مكشوفة لم تنطلِ على المجتمع الدولي الذي يراقب بدقة تحركات التنظيم منذ سقوط نظام البشير.
وتشير كواليس الاجتماعات السرية التي عُقدت في أعقاب صدور القرار إلى حدوث تصدع غير مسبوق في القيادة العليا؛ حيث تبادلت الأجنحة الاتهامات بالفشل الذريع، فبينما يرى “الصقور” أن التنازلات التي قدمها البراجماتيون هي التي أضعفت هيبة التنظيم وأدت لتجرؤ المجتمع الدولي عليه، يرى “البراجماتيون” أن مغامرات الجناح العسكري والتحريض المفضوح على العنف هما اللذان وضعا الرقبة الإخوانية تحت سكين القانون الدولي.
هذا الانقسام الحاد انتقل بسرعة إلى القواعد والكوادر الوسطى التي بدأت في إعلان انسحابها الصامت أو التبرؤ من التنظيم خوفًا من مذكرات التوقيف الدولية وتجميد الحسابات الشخصية، مما يؤكد أن سياسة “التمكين” التي بُنيت على مدار ثلاثة عقود تنهار دراماتيكيًا أمام أدوات الرقابة المصرفية الصارمة التي فعلها القرار الأمريكي الأخير.
تجفيف المنبع.. كيف حطمت “لجنة التفكيك” خطوط الرجعة؟
إن استئناف لجنة تفكيك نظام 1989 واسترداد الأموال العامة لأعمالها في هذا التوقيت الحساس مثل “فكي كماشة” مع القرار الدولي، حيث وضعت اللجنة يدها على وثائق ومعلومات هائلة تتعلق بالشركات الوهمية والواجهات الاقتصادية المتغلغلة في قطاعات الذهب والوقود.
هذا التحرك أدى إلى شلل كامل في قدرة التنظيم على تحريك الأموال المنهوبة أو الوصول إلى “الخزان الاستراتيجي” الذي كان يغذي وقود الحرب، وبمجرد جفاف منابع التمويل، فقد “البراجماتيون” قدرتهم على المناورة أو عقد “صفقات منفردة” مع القوى السياسية الأخرى؛ إذ بات أي تقارب معهم يمثل مخاطرة سياسية وقانونية كبرى لأي طرف محلي أو إقليمي، مما جعلهم معزولين تمامًا في “نفق مظلم” لا مخرج منه سوى المحاسبة القضائية.
يمثل هذا التحول في مارس 2026 نهاية حقبة “الإرهاب السياسي” في السودان، ورسالة واضحة بأن زمن التغلغل تحت شعارات الدين والمناورة بالأزمات قد ولى.
إن فشل الجناح البراجماتي في تسويق نفسه كبديل “معتدل” يعكس وعيًا دوليًا وشعبيًا متزايدًا بأن بنية الإخوان في السودان هي بنية واحدة لا تتجزأ في أهدافها التدميرية، ومع انهيار الهيكل التنظيمي تحت وطأة الضغط المالي والقانوني، تُفتح اليوم نافذة تاريخية للسودانيين لبناء “جمهورية جديدة” خالية من الأدلجة المتطرفة، قائمة على المؤسسات الوطنية المهنية، وبعيدة كل البعد عن سياسات التمكين التي أذاقت البلاد الويلات طوال ثلاثين عامًا، ليبقى التصنيف الدولي بمثابة “الطلاق البائن” بين مستقبل السودان وماضي الإخوان المظلم.

