ذات صلة

جمع

سقوط القناع في بورتسودان.. كيف باعت قيادة الجيش السوداني مستقبل البلاد لطهران؟

تشهد الساحة السودانية تحولات دراماتيكية تجاوزت بمراحل مجرد الصراع...

مرتفعات تونس.. هل أصبحت ملاذًا جديدًا لإعادة تنظيم “فلول” الإرهاب العابر للحدود؟

تشهد المرتفعات الغربية في تونس لعام 2026 تحولاً جيوسياسيًا...

حرب العملات.. كيف تسببت جرائم الحوثي في تجفيف السيولة النقدية بالمناطق المحررة؟

تتصاعد حدة الأزمات المالية والمعيشية في المناطق المحررة، حيث...

سقوط القناع في بورتسودان.. كيف باعت قيادة الجيش السوداني مستقبل البلاد لطهران؟

تشهد الساحة السودانية تحولات دراماتيكية تجاوزت بمراحل مجرد الصراع العسكري الميداني لتصل إلى جوهر الهوية السياسية للسلطة القائمة في بورتسودان، حيث توالت الضربات التي كشفت عن تآكل حاد في غطاء الشرعية الذي حاولت قيادة الجيش التمسك به طوال فترة الحرب.

وجاءت هذه الضربات لتضع النقاط على الحروف فيما يخص التساؤلات المتزايدة حول طبيعة التحالفات التي تدير المشهد من خلف الستار، خاصة مع ظهور مؤشرات قوية على ارتماء السلطة العسكرية في أحضان قوى إقليمية وتنظيمات أيديولوجية مصنفة دوليًا، وهو ما اعتبره مراقبون “سقوطًا كاملاً للأقنعة” وتأكيدًا على أن القرارات المصيرية للبلاد باتت رهينة لأجندات لا تخدم استقرار السودان بقدر ما تخدم بقاء فصيل معين في السلطة، مما يعزز الفرضية القائلة بأن قيادة الجيش قد باعت مستقبل البلاد مقابل تحالفات مشبوهة أعادت السودان عقودًا إلى الوراء في علاقته مع المجتمع الدولي.

زلزال التسريبات وفضيحة صناعة القائد من داخل مطبخ الإخوان

كانت الضربة الأولى والأنفذ في جدار السلطة هي ذلك التسريب الصوتي المنسوب للقيادي الإخواني عثمان محمد يوسف كبر، رئيس مجلس شورى حزب المؤتمر الوطني المنحل، والذي لم يكن مجرد تصريحات عابرة بل كان بمثابة “كشف مستور” للآلية التي صُعد بها الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى قمة الهرم العسكري والسياسي.

حيث أوضح التسريب أن البرهان لم يكن قائدًا مستقلاً أفرزته التراتبية العسكرية أو الضرورات الوطنية المجردة، بل كان خيارًا تكتيكيًا دفع به التنظيم الإخواني في لحظة مفصلية لضمان استمرارية “دولة التمكين” تحت ستار القوات المسلحة.

وهذا الكشف وضع قيادة الجيش في مأزق أخلاقي وسياسي بالغ التعقيد أمام الشارع السوداني والمجتمع الدولي، إذ أثبت أن الوعود بالتحول الديمقراطي والابتعاد عن فلول النظام السابق لم تكن سوى مناورات تهدف لتسكين الغضب الشعبي بينما تظل خيوط اللعبة في يد “الحرس القديم” الذي يوجه بوصلة الحرب والسياسة بما يضمن استرداد نفوذه الضائع.

التحالف الإيراني المعلن ومخاطر تحويل بورتسودان إلى بؤرة نفوذ لطهران

انتقلت الضربات من مستوى التسريبات الداخلية إلى مستوى التهديد الاستراتيجي للأمن الإقليمي، وهو ما تجلى بوضوح في الضربة الثانية التي تمثلت في الحضور الإيراني الصارخ خلال إفطار رمضاني نظمته حركة العدل والمساواة بقيادة وزير المالية جبريل إبراهيم في بورتسودان.

هذا المشهد لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية بل كان رسالة سياسية فجة مفادها أن السلطة في بورتسودان قررت التخلي عن الحذر الدبلوماسي والانتقال إلى مرحلة “التحالف المعلن” مع إيران، مما يفتح الباب أمام طهران لتثبيت موطئ قدم استراتيجي على ساحل البحر الأحمر، وهي المنطقة التي تمثل عصب التجارة العالمية.

إن هذا التوجه الإخواني نحو طهران يعكس حالة اليأس التي يعيشها التنظيم وسلطة بورتسودان، حيث باتوا يبحثون عن حليف يزودهم بالسلاح والدعم التكنولوجي والعسكري مقابل منح إيران فرصة ذهبية لتهديد الملاحة الدولية من القارة الأفريقية، وهو ما يضع السودان في مواجهة مباشرة مع القوى العالمية الكبرى ويزيد من مخاطر تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

القرار الأمريكي التاريخي وتصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية دوليًا

توجت هذه الأحداث بالضربة الثالثة والأقسى التي جاءت من واشنطن في السادس عشر من مارس 2026، مع دخول قرار تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان على قوائم الإرهاب حيز التنفيذ رسميًا، هذا القرار يمثل نقطة تحول تاريخية ليس فقط لأنه يجمد الأصول ويلاحق القيادات ويقطع قنوات التمويل، بل لأنه يرفع الغطاء الدولي تمامًا عن سلطة بورتسودان إذا ما استمرت في تحالفها مع هذا التنظيم.

وترى مصادر أن هذا الإجراء الأمريكي هو بمثابة “شهادة وفاة” سياسية للوجود المنظم للجماعة، ورد فعل حاسم على التقارب السوداني الإيراني الذي تقوده أجنحة الإخوان داخل السلطة، فالرسالة الأمريكية كانت واضحة: لا مكان لتنظيمات إرهابية في مستقبل السودان، وأي سلطة تستند إلى هذا التنظيم ستجد نفسها معزولة دوليًا ومطاردة قانونياً، مما يجعل قرار 16 مارس بارقة أمل لفتح مسارات سلام حقيقية بعيدًا عن أيديولوجيا الحرب والتمكين التي اكتوى بها الشعب السوداني لثلاثة عقود.

مستقبل السودان في مواجهة العزلة الدولية وإعادة ترتيب المشهد

إن تزامن هذه الضربات الثلاث يضع قيادة الجيش السوداني أمام خيارين لا ثالث لهما: إما فك الارتباط الكامل والفوري مع تنظيم الإخوان والتخلي عن الرهان الإيراني الخاسر والعودة إلى مسار التفاوض الوطني الشامل، أو المضي قدما في طريق العزلة الدولية التي قد تنتهي بانهيار كامل للمؤسسات المتبقية وتدويل الصراع بشكل أوسع، فالإفطار الرمضاني الإيراني وتسريبات “كبر” وقرار الإرهاب الأمريكي شكلوا معًا “كماشة” سياسية وقانونية تطوق بورتسودان.

وبات من الواضح، أن المناورات القديمة لم تعد تجدي نفعًا في ظل وعي دولي ورصد استخباري دقيق لتحركات التنظيم، وفي نهاية المطاف، فإن ما حدث في الساعات الماضية قد يكون البداية الفعلية لنهاية نفوذ الجماعة التي سيطرت لعقود، ونقطة انطلاق لإعادة ترتيب المشهد السوداني بشكل جذري، حيث يبحث السودانيون عن دولة وطنية مدنية تحترم جيرانها وتلتزم بالقوانين الدولية، بعيدًا عن تحالفات الضرورة التي تبيع حاضر البلاد ومستقبلها من أجل بقاء زائف في كراسي السلطة.