تعيش ليبيا حالة من التردد الحقوقي الخطير نتيجة تغول المليشيات والمجموعات المسلحة التي باتت تسيطر على مساحات شاسعة من المشهد الأمني، حيث تحولت العديد من المقرات العامة والمباني الحكومية إلى ما يشبه “الثقوب السوداء” التي يختفي فيها المواطنون دون أدنى رقابة قانونية.
إن ظاهرة الاحتجاز التعسفي لم تعد مجرد حوادث فردية، بل تحولت إلى سياسة ممنهجة تمارسها هذه التشكيلات لتركيع الخصوم السياسيين وإسكات أصوات الناشطين، حيث يتم اختطاف الأفراد من بيوتهم أو من مقار عملهم واقتيادهم إلى مراكز احتجاز غير تابعة لوزارة العدل أو الجهات القضائية الرسمية.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن هذه المقرات، التي كانت يومًا ما مراكز خدمية أو تعليمية أو إدارية، باتت اليوم قلاعاً محصنة يمارس فيها أبشع أنواع الانتهاكات الجسدية والنفسية بعيدًا عن أعين المنظمات الدولية، مما خلق حالة من الرعب الجماعي في أوساط المدنيين الذين يجدون أنفسهم بلا حماية أمام فوهات البنادق التي تدعي أحيانًا تبعيتها للدولة بينما تعمل في الواقع ككيانات مستقلة فوق القانون.
منهجية التعذيب حتى الموت والغياب التام للمحاسبة الجنائية
تتصاعد الصرخات الحقوقية داخل وخارج ليبيا جراء تكرار حالات الوفاة داخل سجون المليشيات نتيجة التعذيب الوحشي الممنهج، حيث يتم استخدام أساليب قرووسطية لانتزاع الاعترافات أو لمجرد الانتقام الشخصي والسياسي.
إن التقارير الواردة من داخل هذه “الثقوب السوداء” تؤكد استخدام الصعق بالكهرباء، والضرب المبرح، والحرمان من النوم والطعام، بالإضافة إلى الإهمال الطبي المتعمد الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى تعفن الجروح ووفاة المعتقلين في صمت.
وما يزيد من مأساوية المشهد هو الإفلات التام من العقاب الذي يتمتع به أمراء الحرب والجلادون، إذ أن ضعف السلطة المركزية وانقسام المؤسسات السياسية جعل من الصعب بمكان فتح تحقيقات جدية أو ملاحقة المتورطين في هذه الجرائم التي تصنف دولياً كجرائم ضد الإنسانية.
إن هذا الواقع المأساوي يضع المجتمع الدولي والأمم المتحدة أمام مسؤولية تاريخية للتحرك الجاد ليس فقط عبر إصدار البيانات، بل من خلال تفعيل آليات المحاسبة الدولية وفرض عقوبات صارمة على قادة هذه المجموعات المسلحة الذين استباحوا دماء الليبيين وحولوا أحلام الدولة المدنية إلى كابوس مستمر من القمع والترهيب.
الاختطاف القسري والاعتقال التعسفي كأداة للابتزاز والضغط السياسي
لا يقتصر دور السجون السرية في ليبيا على كبت المعارضة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى وسيلة للابتزاز المالي والضغط السياسي، حيث تلجأ المليشيات لاختطاف رجال الأعمال أو ذوي الشخصيات المرموقة لطلب فديات مالية ضخمة لتمويل عملياتها وتسليح عناصرها.
إن “الاعتقال بلا تهمة” أصبح القاعدة لا الاستثناء في مناطق نفوذ هذه المجموعات، حيث يمكن لأي فرد أن يجد نفسه خلف القضبان لمجرد منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أو بسبب خلاف شخصي مع أحد عناصر المليشيا.
وتؤكد منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في تقاريرها لعام 2026، أن ملف المفقودين في ليبيا يتضخم يوماً بعد يوم، مع إنكار مستمر من الجهات الأمنية المسيطرة لوجود هؤلاء المعتقلين لديهم، مما يترك العائلات في حالة من العذاب النفسي المستمر بحثًا عن مصير أبنائهم وإن توظيف القمع الأمني كأداة اقتصادية وسياسية يعكس مدى الانهيار الأخلاقي والمهني الذي وصلت إليه هذه التشكيلات، ويؤكد ضرورة تفكيك هذه المليشيات وإعادة بناء المؤسسة الأمنية على أسس وطنية مهنية تحترم كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية.
توقعات المستقبل
يبقى ملف السجون السرية وتعذيب المليشيات في ليبيا التحدي الأكبر أمام أي محاولة للاستقرار السياسي أو المصالحة الوطنية الشاملة، فلا يمكن بناء دولة ديمقراطية على أنقاض المقابر الجماعية وغرف التعذيب.
إن استمرار الصمت الدولي والمحلي عن هذه “الثقوب السوداء” يساهم في إطالة أمد الفوضى ويمنح المجموعات المسلحة شرعية زائفة تستخدمها لمزيد من القمع وإن عام 2026 يجب أن يكون عام المحاسبة والشفافية، حيث يتطلع الليبيون إلى اليوم الذي تغلق فيه هذه السجون غير القانونية وتعود فيه المقرات العامة لخدمة الشعب لا لتعذيبه، وإن الطريق نحو استعادة الدولة يمر حتمًا عبر بوابة حقوق الإنسان وإخضاع السلاح لسلطة القضاء.
وبدون خطوات عملية لتفكيك هذه المليشيات وتقديم الجلادين للعدالة، ستظل ليبيا تدور في حلقة مفرغة من العنف والانتهاكات التي تلتهم حاضر ومستقبل أبنائها، ويبقى الأمل معلقًا على إرادة شعبية ترفض الظلم وتحاسب كل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء تحت أي مسمى كان.

