يعيش لبنان حالة من السيولة الأمنية والسياسية التي أعادت رسم خرائط النفوذ الميداني بشكل غير مسبوق، حيث لم تعد السيطرة على الأرض تخضع فقط لمنطق الدولة ومؤسساتها العسكرية الرسمية، بل أصبحت رهينة لتقاطعات معقدة بين مليشيات وقوى مسلحة تتقاسم الجغرافيا اللبنانية وفق اعتبارات طائفية وسياسية وإقليمية.
إن المتأمل في الواقع اللبناني يدرك أن مفهوم “المربع الأمني” قد تمدد ليتحول إلى مناطق نفوذ واسعة تمتلك إدارات ذاتية وقوى ضبط ميداني توازي، بل وتتفوق أحيانًا، على قدرات الأجهزة الأمنية الرسمية.
وهذا التقسيم الواقعي للأرض يخلق نوعًا من “الدويلات داخل الدولة”، حيث تتركز القوى المسلحة في مناطق استراتيجية تمتد من الضاحية الجنوبية لبيروت وصور والنبطية في الجنوب، وصولاً إلى مناطق البقاع وجبال لبنان والتموضعات في الشمال؛ مما يجعل أي تحرك عسكري أو سياسي مرهونًا بموافقة ضمنية أو علنية من هذه القوى التي تعتبر سلاحها ضمانة لبقائها وتأثيرها في المعادلة الوطنية.
ويتجاوز هذا التقاسم الميداني مجرد الوجود المسلح في الشوارع، ليصل إلى السيطرة على المعابر الحيوية، والمرافق الاستراتيجية، وشبكات الاتصال الخاصة، مما يعزز من قدرة هذه المليشيات على فرض واقع ميداني يصعب تجاوزه عند الحديث عن تنفيذ القرارات الدولية مثل القرار 1701 أو 1559.
إن خرائط النفوذ المسلح في لبنان تعكس بوضوح هشاشة العقد الاجتماعي الحالي، حيث يشعر كل فصيل بأن امتلاك القوة العسكرية هو السبيل الوحيد لحماية طائفته أو مشروعه السياسي، وهو ما يؤدي بالتبعية إلى سباق تسلح داخلي وتطوير في البنية التحتية العسكرية من مخازن سلاح ومنصات إطلاق وأنفاق، خاصة في المناطق الحدودية والوعرة، مما يجعل الخارطة اللبنانية تبدو كلوحة “فسيفساء” عسكرية قابلة للانفجار عند أي احتكاك سياسي أو خارجي، وهذا الواقع يفرض تحديات هائلة أمام الجيش اللبناني الذي يحاول جاهداً الحفاظ على وحدة المؤسسة العسكرية في ظل ضغوط هائلة وموارد محدودة.
تآكل مؤسسات الدولة وتحديات الاستقرار
إن التغول الميداني للمليشيات في لبنان لم يعد يقتصر على الجانب الدفاعي أو العسكري البحت، بل امتد ليشمل السيطرة على مفاصل الاقتصاد الموازي والنشاطات التجارية في مناطق نفوذها، مما وفر لها تمويلاً ذاتيًا مستقلاً عن خزينة الدولة، وهذا التطور الخطير جعل من المليشيا “سلطة أمر واقع” توفر الخدمات والأمن لبيئتها الحاضنة، مما يضعف الولاء للدولة المركزية ويزيد من حدة الانقسام المجتمعي.
وفي ظل التصعيد الراهن الذي تشهده المنطقة، تبرز خطورة هذه الخرائط المسلحة في كونها تجعل من لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، حيث تتحرك بعض هذه القوى وفق أجندات عابرة للحدود، مما يضع السيادة اللبنانية في مهب الريح ويجعل من قرار السلم والحرب قرارًا غير محصور في يد الحكومة اللبنانية أو البرلمان، بل في يد قادة الفصائل المسلحة الذين يمتلكون القدرة على تحريك الجبهات وتغيير موازين القوى الميدانية بلمحة بصر.
وعلى جانب آخر، تبرز إشكالية “السلاح المنفلت” الذي ينمو في ظلال المليشيات الكبرى، حيث تنتشر مجموعات مسلحة أصغر حجمًا في مدن مثل طرابلس وبعض أحياء بيروت المكتظة، وهي مجموعات قد لا تملك مشروعًا سياسيًا واضحًا بقدر ما تمثل أذرعًا للضغط المحلي أو أدوات في صراعات الزواريب الضيقة.
إن هذا التشرذم المسلح يؤدي إلى غياب الأمان الشخصي للمواطن اللبناني، الذي يجد نفسه مضطرًا للتعامل مع حواجز غير رسمية وولاءات متغيرة، مما يعيق حركة التجارة والاستثمار ويؤصل لحالة من اللا دولة، وإن استعادة السيطرة الميدانية من قبل الدولة اللبنانية تتطلب أكثر من مجرد قرارات ورقية؛ فهي تحتاج إلى تسوية سياسية شاملة تعالج هواجس الأطراف كافة، وتوفر بديلاً أمنيًا واقتصاديًا قويًا يقنع البيئات الحاضنة للمليشيات بأن الدولة هي الحامي الوحيد والأوحد، وهو أمر يبدو بعيد المنال في ظل الاصطفافات الحادة التي يشهدها لبنان حاليًا عام 2026.
آفاق الحل والمواجهة
تبقى خرائط النفوذ المسلح في لبنان هي التحدي الأكبر الذي يواجه أي محاولة للإصلاح أو النهوض بالبلاد، فبدون توحيد السلاح تحت إمرة وزارة الدفاع وبدون تفكيك المربعات الأمنية التي تخنق العاصمة والمحافظات، سيبقى لبنان يدور في حلقة مفرغة من الأزمات الأمنية والسياسية.
إن المجتمع الدولي، وعبر اتصالاته المكثفة مع رئيس الوزراء اللبناني ووزير الخارجية، يشدد دائمًا على ضرورة بسط سلطة الدولة على كامل التراب الوطني، ولكن الواقع الميداني يثبت يومًا بعد يوم أن القوة على الأرض هي اللغة الأكثر تأثيرًا في صياغة مستقبل لبنان وإن التحولات التي طرأت على خريطة القوى في عام 2026 تشير إلى أننا أمام مرحلة مفصلية؛ فإما أن تنجح مؤسسات الدولة في استعادة هيبتها عبر دعم الجيش وقوى الأمن، وإما أن تترسخ هذه الكانتونات العسكرية لتصبح واقعًا دائمًا يقضي على ما تبقى من حلم الدولة اللبنانية الموحدة والسيادية، مما يضع مستقبل الأجيال القادمة أمام احتمالات مفتوحة من الصراعات التي لا تنتهي.

