ذات صلة

جمع

قطيعة واشنطن وبيروت.. هل دخل لبنان نفق العزلة الدولية المظلم؟

دخلت العلاقات اللبنانية الأمريكية مرحلة غير مسبوقة من الجمود...

قطيعة واشنطن وبيروت.. هل دخل لبنان نفق العزلة الدولية المظلم؟

دخلت العلاقات اللبنانية الأمريكية مرحلة غير مسبوقة من الجمود والتوتر العلني، حيث كشفت مصادر في وزارة الخارجية الأمريكية في مارس 2026 عن توجه جديد يعتبر التواصل مع الحكومة اللبنانية “شبه متوقف”، وهو توصيف دبلوماسي يحمل في طياته دلالات خطيرة تتجاوز مجرد التوتر العابر لتصل إلى حد القطيعة الاستراتيجية.

هذا الإعلان لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكمات من الإحباط الأمريكي تجاه عجز السلطة التنفيذية في بيروت عن اتخاذ قرارات سيادية بعيدة عن تأثير القوى الإقليمية والفصائل المسلحة التي باتت تسيطر على مفاصل القرار الوطني.

إن هذا التوقف في قنوات الاتصال الرسمية يعني عمليًا رفع الغطاء الدبلوماسي عن المؤسسات الدستورية اللبنانية، وترك البلاد لمواجهة مصيرها وحيدة في ظل أزمة اقتصادية طاحنة وتهديدات أمنية لا تتوقف، مما ينذر بتحول لبنان إلى “دولة معزولة” دوليًا، تفقد فيها بيروت قدرتها على المناورة أو الحصول على مساعدات حيوية كانت تعتمد فيها على الوساطة الأمريكية المباشرة مع المؤسسات المالية الدولية.

تآكل الثقة وتداعيات الارتهان للأجندات الإقليمية

تستند الرؤية الأمريكية الجديدة إلى قناعة تامة بأن الحكومة اللبنانية الحالية لم تعد شريكًا موثوقًا يمكن الرهان عليه في ملفات مكافحة الإرهاب أو ضبط الحدود، بل تحولت في نظر واشنطن إلى واجهة لتمرير سياسات تخدم أطرافًا خارجية تتبنى العداء الصريح للمصالح الأمريكية في المنطقة.

وقد رصدت تقارير استخباراتية أمريكية زيادة في وتيرة التنسيق الميداني والسياسي بين أجهزة الدولة وكيانات مدرجة على قوائم الإرهاب، وهو ما اعتبرته واشنطن خرقًا فاضحًا للتعهدات الدولية التي قطعها لبنان على نفسه مقابل استمرار الدعم العسكري واللوجستي.

هذا التآكل الحاد في الثقة أدى إلى تجميد فعلي لكافة البرامج المشتركة، بل ووصل الأمر إلى حد رفض المسؤولين الأمريكيين استقبال اتصالات نظرائهم اللبنانيين أو الرد على المذكرات الدبلوماسية، مما يعكس رغبة واشنطن في إرسال رسالة حازمة مفادها أن الاستمرار في النهج الحالي سيؤدي حتماً إلى شطب لبنان من قائمة الحلفاء والشركاء في المنطقة، وهو ثمن باهظ ستدفعه الدولة والمواطن على حد سواء.

مأزق بيروت بين المطرقة الأمريكية وسندان الداخل

تجد الحكومة اللبنانية نفسها اليوم في مأزق تاريخي ومصيري، فهي من جهة تحاول الحفاظ على شعرة معاوية مع واشنطن لتفادي العقوبات الاقتصادية الشاملة، ومن جهة أخرى تجد نفسها عاجزة عن فك الارتباط مع القوى المحلية التي تفرض إيقاعها على الشارع والسياسة.

إن هذا الشلل الدبلوماسي يعكس عمق الأزمة الهيكلية في النظام اللبناني، حيث باتت الدولة “جسدًا بلا رأس” في المحافل الدولية، تفتقر إلى رؤية موحدة تمكنها من مخاطبة المجتمع الدولي بلغة المصالح الوطنية الصرفة.

وفي ظل صمت الخارجية الأمريكية وتوقف اللقاءات الثنائية، تبدو بيروت وكأنها تسير في حقل ألغام، حيث أن أي محاولة للتقارب مع واشنطن قد تفجر الأوضاع داخليًا، بينما الاستمرار في التجاهل سيؤدي إلى جفاف منابع الدعم والتمويل، مما يسرع من وتيرة السقوط نحو الهاوية المالية والاجتماعية التي تهدد ما تبقى من معالم الدولة الوطنية التي تأسست على التوازن بين الشرق والغرب.

مستقبل الاستقرار في ظل الانسداد السياسي الدولي

إن تداعيات هذا الانسداد الدبلوماسي لن تتوقف عند حدود التصريحات الصحفية، بل ستترجم قريبًا إلى إجراءات تقشفية قاسية تفرضها المنظمات الدولية التي تدور في الفلك الأمريكي، مما يعني توقف مفاوضات القروض والمنح التي كانت تمثل بارقة أمل لانتشال الاقتصاد اللبناني من ركوده.

علاوة على ذلك، فإن غياب الوساطة الأمريكية في ملفات شائكة مثل ترسيم الحدود البحرية أو النزاعات النفطية سيجعل لبنان عرضة لمواجهات مباشرة قد لا يمتلك فيها القدرة على الدفاع عن حقوقه أو حماية منشآته، في ظل غياب الغطاء الدولي الذي كان يوفره التواصل مع واشنطن.

إن السيناريو الأسوأ الذي تخشاه الأوساط السياسية هو أن تتحول حالة “شبه التوقف” إلى “قطيعة دائمة”، مما يعني خروج لبنان نهائيًا من دائرة الاهتمام الدولي وتحوله إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية بالوكالة، وهو ما سيعمق من جراح الشعب اللبناني الذي يجد نفسه اليوم يدفع ثمن سياسات لم يشارك في صياغتها، في ظل تخبط رسمي يعجز عن قراءة التحولات الجذرية في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة.

خيارات لبنان لاستعادة الحضور الدبلوماسي المفقود

في نهاية المطاف، لا يمكن للبنان أن يستمر طويلاً في هذه العزلة دون أن يواجه خطر التفكك الكلي، مما يتطلب من القوى السياسية الفاعلة إجراء مراجعة شاملة لتموضعاتها الإقليمية والدولية بعيدًا عن سياسة المحاور التي أثبتت فشلها في حماية البلاد.

إن استعادة التواصل مع واشنطن تتطلب خطوات عملية ملموسة تبدأ من تأكيد استقلالية القرار الأمني والعسكري، وتطبيق حقيقي لمبدأ “النأي بالنفس” الذي تحول إلى شعار فارغ من المضمون في السنوات الأخيرة.

يجب على الحكومة اللبنانية أن تدرك أن لغة العالم اليوم هي لغة المصالح والأمن القومي، وأن الوقوف في المنطقة الرمادية لم يعد خيارًا متاحًا في ظل الاستقطاب العالمي الحاد، فإما أن تثبت الدولة قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدولية وتستعيد بذلك قنوات التواصل، أو أن تستسلم لقدرها كدولة معزولة تعيش على هامش التاريخ والجغرافيا في نفق مظلم لا يبدو أن له نهاية قريبة في الأفق الدبلوماسي المنظور.