سعى حزب الله اللبناني منذ انخراطه المباشر في الأزمة السورية إلى استنساخ تجربته العسكرية في جنوب لبنان ونقلها إلى الجنوب السوري، وتحديدًا في محافظتي القنيطرة ودرعا، بهدف خلق جبهة اشتباك جديدة وواسعة تزيد من تعقيدات الحسابات الأمنية الإسرائيلية، إلا أن هذا المشروع الطموح اصطدم بواقع ميداني مغاير تمامًا لما توقعه قادة الحزب في بيروت وطهران.
حيث تحول الجنوب السوري إلى “فخ استراتيجي” استنزف قدرات الحزب البشرية واللوجستية دون تحقيق أي مكسب حقيقي على الأرض، فالمناطق التي كان يخطط الحزب لتحويلها إلى منصات لإطلاق الصواريخ ومراكز لإدارة العمليات النوعية أصبحت ساحات مفتوحة للاصطياد الجوي المركز، مما كشف عن عجز فاضح في منظومات الحماية والتمويه التي طالما تفاخر بها الحزب.
إن هذا الفشل في التأسيس لجبهة مستدامة يعود في جوهره إلى فقدان الحزب لعنصر المفاجأة، وانكشاف تحركاته أمام التكنولوجيا الاستخباراتية المتفوقة التي حولت كل محاولة للتموضع إلى عملية انتحارية غير محسومة النتائج.
الانكشاف الأمني وتهاوي القيادات الميدانية
لقد تجلى فشل حزب الله في سوريا بشكل أكثر وضوحًا من خلال الاختراقات الأمنية الكبيرة التي طالت أرفع قياداته العسكرية المسؤولة عن ملف الجنوب.
حيث أثبتت الوقائع أن البيئة السورية ليست “بيئة صديقة” أو حصينة كما هو الحال في معاقل الحزب التقليدية بضاحية بيروت الجنوبية، هذا الانكشاف المعلوماتي أدى إلى تصفية جيل كامل من القادة الميدانيين والخبراء التقنيين الذين أرسلهم الحزب لهندسة الجبهة الجديدة، مما خلق حالة من الإرباك والذعر في صفوف الكوادر الوسطى وعطل خطط التوسع العسكري لسنوات طويلة.
فالعجز عن حماية “الرؤوس الكبيرة” داخل الأراضي السورية أعطى رسالة واضحة بأن الحزب فقد القدرة على تأمين نفسه وتأمين حلفائه، وهو ما أفشل مساعيه في تجنيد عناصر محلية سورية فاعلة تحت لواء ما يسمى بـ “المقاومة السورية لتحرير الجولان”، حيث أدركت العشائر والسكان المحليون أن الانخراط في مشروع الحزب يعني استجلاب الدمار دون غطاء أمني حقيقي، مما أدى إلى عزلة الميدان وفشل بناء “حاضنة شعبية” تدعم العمليات العسكرية المخطط لها.
معادلة الردع المفقودة والسماء المستباحة
واحدة من أبرز نقاط الفشل العسكري لحزب الله في سوريا تكمن في عجزه المطلق عن فرض “قواعد اشتباك” تحمي قواته ومنشآته من القصف الجوي المتواصل، فبينما كان الحزب يدعي امتلاكه لأسلحة كاسرة للتوازن وقدرات دفاع جوي محدثة، ظلت السماء السورية مستباحة بالكامل أمام المقاتلات والمسيرات التي دمرت مخازن السلاح وقوافل الإمداد بدقة متناهية.
هذا العجز الدفاعي حول وجود الحزب في الجنوب السوري إلى مجرد “أهداف ثابتة” تنتظر لحظة الاستهداف، مما أفقد الحزب زمام المبادرة وجعله في موقف الدفاع الضعيف والمنكسر دائمًا.
إن غياب الغطاء الجوي وعدم قدرة الحزب على تحييد سلاح الجو المتفوق أثبت أن طموحات فتح جبهة جديدة كانت مجرد “مقامرة إعلامية” تفتقر إلى الأسس العسكرية المتينة، حيث لم تنجح الصواريخ التي جرى تهريبها عبر الحدود في تشكيل أي تهديد حقيقي، بل انتهى معظمها تحت ركام القواعد المدمرة قبل أن يجد طريقه إلى منصات الإطلاق، وهو ما يعكس فشلاً استخباراتيًا وعملياتيًا لم يسبق له مثيل في تاريخ المنظمة.
الموقف الإقليمي والروسي.. الخذلان الكبير
لم يكن الفشل العسكري هو الوحيد في جعبة حزب الله بسوريا، بل رافقه فشل ديبلوماسي وجيوسياسي تمثل في عدم قدرته على تأمين غطاء سياسي لوجوده في الجنوب.
فالموقف الروسي الذي يسيطر على الأجواء السورية لم يمنح الحزب الضوء الأخضر للتحرك بحرية ضد إسرائيل، بل غض الطرف في كثير من الأحيان عن استهداف مواقع الحزب لإضعاف نفوذه ومنعه من السيطرة الكاملة على القرار العسكري في دمشق، هذا التضارب في المصالح داخل معسكر الحلفاء وضع حزب الله في موقف المحاصر بين مطرقة القصف الخارجي وسندان التجاهل الروسي.
كما أن الدولة السورية نفسها، المنهكة من سنوات الحرب، أبدت في كثير من المنعطفات عدم رغبتها في تحمل تبعات مغامرات الحزب التي قد تطيح بما تبقى من استقرار للنظام، هذا التباين في الأهداف أدى إلى تآكل نفوذ الحزب وتراجع دوره من “شريك أساسي” إلى “وكيل مأزوم” يكافح فقط من أجل البقاء في نقاط تمركز هامشية، مما أفرغ مشروع الجبهة الجديدة من محتواه الاستراتيجي وحوله إلى مجرد تواجد رمزي لا يقدم ولا يؤخر في ميزان القوى.
استنزاف الموارد ونهاية أسطورة “القوة التي لا تقهر”
يمكن القول: إن فشل حزب الله في تحويل الجنوب السوري إلى جبهة استنزاف يمثل بداية التراجع الفعلي لأسطورة “القوة الإقليمية التي لا تقهر”.
فالحزب الذي استنزف أفضل مقاتليه وموارده المالية في معارك جانبية داخل سوريا وجد نفسه عاجزًا عن حماية مشروعه الأهم على حدود الجولان، هذا الإخفاق الميداني أدى إلى تراجع الثقة في قدرات الحزب القتالية حتى لدى حاضنته الشعبية في لبنان، التي بدأت تتساءل عن جدوى التضحية بآلاف الشباب في سبيل جبهات وهمية لم تفتح قط.
إن المقامرة الخاسرة في سوريا كشفت أن الحزب عندما يخرج من بيئته الجغرافية المعروفة ويفقد ميزة “الأرض التي يعرفها” يصبح صيدًا سهلاً ومنكشفًا أمام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي العسكري.

