في مشهد سياسي لم يكن ليتوقعه أكثر المحللين تفاؤلاً قبل سنوات، باتت العواصم العربية والشرق أوسطية وجهة استراتيجية ملحة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي لم يعد يكتفي بجولاته المكوكية في واشنطن وبروكسل.
ومع حلول شهر مارس من عام 2026، اكتسبت تحركات زيلينسكي في المنطقة بعدًا أمنيًا وعسكريًا يتجاوز مجرد طلب الدعم المالي أو الإنساني، ليتحول إلى لاعب فاعل في منظومة الدفاع الإقليمي ضد التهديدات الجوية المتزايدة، وتحديدًا تلك المتعلقة بالطائرات المسيرة التي باتت تشكل الصداع الأكبر للأمن القومي في مختلف بقاع العالم.
دبلوماسية السلاح وتبادل الخبرات
جاء إعلان زيلينسكي عن إرسال خبراء مسيرات أوكرانيين إلى الأردن ودول الخليج بمثابة نقطة تحول جوهرية في العلاقات الثنائية؛ حيث تمتلك أوكرانيا اليوم مخزونًا هائلاً من الخبرة الميدانية في التعامل مع مسيرات “شاهد” الإيرانية التي استخدمتها روسيا بكثافة ضد البنية التحتية الأوكرانية.
ويرى محللون سياسيون، أن هذا التحرك الأوكراني يأتي استجابة لطلب أمريكي مباشر يهدف إلى تعزيز حماية القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية في المنطقة، خاصة في ظل التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهو ما جعل من الخبرة الأوكرانية “سلعة استراتيجية” لا غنى عنها.
معادلة “الطريق ذو الاتجاهين”
لم يكن هبوط زيلينسكي في الشرق الأوسط عارضًا، بل هو جزء من استراتيجية “المقايضة الذكية” التي يتبعها حاليًا؛ فهو يدرك تمامًا أن دول المنطقة تمتلك مخزونات هامة من صواريخ الدفاع الجوي، وتحديدًا منظومات “باتريوت” التي تستنزفها الحرب في أوكرانيا بشكل متسارع.
ومن خلال تقديم “صيادي المسيرات” الأوكرانيين وتكنولوجيا الاعتراض الرخيصة، يسعى زيلينسكي لتأمين تدفق مستمر لقطع الغيار والصواريخ الدفاعية من ترسانات المنطقة، واصفًا هذا التعاون بأنه “طريق ذو اتجاهين” يضمن أمن الخليج ويحمي سماء أوكرانيا في آن واحد من الصواريخ الباليستية الروسية.
صراعات النفوذ والوساطة الإقليمية
تتجاوز الزيارة الأبعاد العسكرية لتلمس وترًا حساسًا في صراعات النفوذ الدولية؛ فأوكرانيا تحاول من خلال حضورها القوي في الرياض وأبوظبي وعمان سحب البساط من تحت أقدام النفوذ الروسي المتغلغل في بعض ملفات المنطقة.
كما أن زيلينسكي يعول بشكل كبير على الوساطة التي تقودها قوى إقليمية كبرى مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، والتي نجحت سابقًا في إتمام صفقات تبادل أسرى معقدة، وهو يطمح الآن لأن تلعب هذه الدول دورًا محوريًا في الضغط على موسكو لوقف استهداف المنشآت الطاقية، مقابل تعاون أمني وتقني أوكراني غير مسبوق في ملف المسيرات.
تحديات الوجود الأوكراني في المنطقة
على الرغم من الترحيب الذي قد تحظى به الخبرات الأوكرانية، إلا أن هذا التواجد لا يخلو من مخاطر؛ حيث يخشى البعض أن يؤدي انخراط كييف المباشر في أمن الشرق الأوسط إلى استقطاب روسي إيراني مضاد، قد ينعكس سلبًا على استقرار المنطقة، ومع ذلك، يصر زيلينسكي على أن التهديد واحد، وأن المسيرات التي تضرب كييف هي ذاتها التي تهدد موانئ ومنشآت الطاقة في الشرق الأوسط، مما يجعل التعاون المشترك ضرورة وجودية لا خيارًا تكتيكيًا، خاصة مع تزايد وتيرة الهجمات التي تستخدم أسراب المسيرات الانتحارية لتجاوز أنظمة الرادار التقليدية.

