شهدت تونس قفزة جديدة ومقلقة في معدلات التضخم، حيث كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء عن ارتفاع المؤشر العام لأسعار الاستهلاك بنسبة بلغت 5% مقارنة بالشهر السابق.
وتأتي هذه الزيادة مدفوعة بشكل أساسي بالتسارع الملحوظ في أسعار مجموعة المواد الغذائية والمشروبات، التي تمثل العصب الرئيسي لميزانية الأسر التونسية المتوسطة والفقيرة.
وقالت مصادر: إن هذا الارتفاع المتواتر لا يمثل مجرد أرقام إحصائية جافة، بل يترجم واقعًا مريرًا تعيشه الأسواق التونسية يوميًا، حيث بات المواطن يجد صعوبة بالغة في توفير احتياجاته الأساسية بأثمان تتناسب مع دخله المحدود؛ مما أدى إلى حالة من الركود النسبي في حركة البيع والشراء وتزايد الشكاوى من تدهور القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق في تاريخ البلاد الحديث.
الغذاء يقود الارتفاع
كما أوضح التقرير الدوري حول الأسعار أن مجموعة التغذية والمشروبات سجلت الارتفاع الأكبر ضمن مكونات سلة الاستهلاك، حيث قفزت أسعار الخضروات واللحوم الحمراء والزيوت النباتية بنسب متفاوتة أرهقت كاهل المستهلكين.
ويعزو المحللون الاقتصاديون هذا التسارع إلى عدة عوامل متداخلة، يأتي في مقدمتها نقص المعروض من بعض المواد الأساسية نتيجة تراجع الإنتاج الفلاحي المحلي المتأثر بالتغيرات المناخية وشح الأمطار، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج العالمي الذي أدى إلى زيادة أسعار المواد الأولية المستوردة.
هذه الفجوة بين العرض والطلب أدت إلى خلق ضغوط سعرية هائلة في الأسواق، مما جعل أسعار بعض السلع الحيوية تبتعد عن متناول الفئات الهشة، وهو ما يستدعي تدخلاً عاجلاً من السلطات التنفيذية لتنظيم مسالك التوزيع وضمان وصول السلع بأسعار عادلة بعيداً عن الاحتكار.
ضغوط السياسة النقدية
أمام هذا الصعود الصاروخي لمعدلات التضخم، يجد البنك المركزي التونسي نفسه في وضع دقيق بين ضرورة التدخل لكبح جماح الأسعار وحماية العملة الوطنية، وبين الرغبة في عدم خنق النمو الاقتصادي المتباطئ أصلاً.
وتذهب التوقعات إلى أن لجنة السياسة النقدية قد تضطر إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، بما في ذلك إمكانية رفع أسعار الفائدة الرئيسية لامتصاص السيولة الفائضة وتقليل وتيرة الاستهلاك التضخمي.
ومع ذلك، يرى فريق من الخبراء، أن التضخم في تونس حاليًا هو “تضخم ناتج عن التكاليف” وليس فقط عن زيادة الطلب، مما يعني أن الأدوات النقدية التقليدية قد تكون محدودة التأثير إذا لم تتزامن مع إصلاحات هيكلية في القطاع الفلاحي وتطوير منظومة الدعم السلعي لضمان توجيهها لمستحقيها الفعليين وتقليل الأعباء عن ميزانية الدولة والمواطن على حد سواء.
تداعيات اجتماعية مقلقة
لا تتوقف آثار أزمة المعيشة عند الحدود الاقتصادية، بل تمتد لتلقي بظلالها القاتمة على النسيج الاجتماعي التونسي، حيث بدأت ملامح تغير في النمط الاستهلاكي للمواطنين الذين اضطروا للتخلي عن الكثير من السلع غير الضرورية وحتى تقليص كميات المواد الغذائية الأساسية.
إن اتساع دائرة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى يمثلان تحديًا أمنيًا واجتماعيًا كبيرًا للدولة المصرية، حيث ترتبط استقرار الأوضاع في الشارع بمدى قدرة الحكومة على السيطرة على “غول الغلاء”.
وتتزايد الدعوات من قبل المنظمات الحقوقية والنقابية لضرورة مراجعة الأجور والمنح الاجتماعية بما يتماشى مع الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة، مع التشديد على أهمية تفعيل الرقابة الميدانية الصارمة لمواجهة المضاربين الذين يستغلون ندرة السلع لرفع الأثمان بشكل غير قانوني وتحقيق أرباح فاحشة على حساب آلام الناس.

