ذات صلة

جمع

خطة باريس السرية.. هل تتحول فرنسا إلى ضامن دولي لنزع سلاح حزب الله؟

في ظل تسارع الأحداث الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط،...

صراع النفوذ فوق السحاب.. كيف تهدد الطائرات المسيرة “استقرار” العراق الهش؟

شهد العراق في الساعات الأخيرة تصعيدًا أمنيًا غير مسبوق...

الهروب من فخ الدعم.. هل تنقذ محطات الطاقة الشمسية ميزانية تونس من نزيف المحروقات؟

تواجه الميزانية العامة للدولة التونسية في عام 2026 ضغوطًا...

خلافة الدم في طهران.. كيف يمهد اختيار مجتبى خامنئي لموجة إعدامات سياسية جديدة؟

ارتبط اسم مجتبى خامنئي بشكل وثيق وجدلي بجهاز "الباسيج"...

صراع النفوذ فوق السحاب.. كيف تهدد الطائرات المسيرة “استقرار” العراق الهش؟

شهد العراق في الساعات الأخيرة تصعيدًا أمنيًا غير مسبوق وضع البلاد على حافة الانزلاق نحو صراع إقليمي شامل، حيث تعرضت منشآت حيوية وعسكرية في بغداد والبصرة وأربيل لهجمات منسقة بالطائرات المسيرة، مما يعكس تحولاً دراماتيكيًا في طبيعة المواجهة الجارية على الساحة العراقية.

ففي مطار بغداد الدولي الذي يضم فريقًا للدعم اللوجستي تابعًا للسفارة الأمريكية، شنت أربع مسيرات هجومًا مباشرًا أسفر عن تحطم اثنتين منها داخل القاعدة العسكرية، في رسالة واضحة المعالم حول قدرة الجهات المنفذة على اختراق الحواجز الدفاعية لأهم المرافق السيادية في البلاد.

هذا الهجوم يأتي في سياق زمني شديد الحساسية، تزامنًا مع الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مما يجعل من سماء العراق ساحة مفتوحة لتصفيات الحسابات العابرة للحدود، وسط مخاوف جدية من أن تفقد الحكومة المركزية السيطرة على ضبط إيقاع التسلح المنفلت للفصائل التي تحاول جر البلاد إلى أتون معركة لا ناقة للعراق فيها ولا جمل.

أربيل والبصرة في مرمى النيران

لم تقتصر شرارة التصعيد على العاصمة بغداد، بل امتدت لتطال أقصى الشمال وأقصى الجنوب في توقيت متزامن يثير الكثير من التساؤلات حول مركزية إدارة هذه العمليات، ففي إقليم كردستان، هز انفجار عنيف مدينة أربيل تبعه تصاعد أعمدة الدخان من أحد الفنادق التي يرتادها الأجانب، وهو ما جاء تجسيدًا عمليًا للتحذيرات الأمريكية السابقة من احتمال استهداف الرعايا الأجانب في الإقليم.

أما في البصرة، العصب الاقتصادي للعراق، فقد سقطت أربع مسيرات استهدفت مطار البصرة الدولي وشركات نفطية كبرى مثل “البرجسية” وحقل “الرميلة” الذي تديره شركة “بي بي” البريطانية.

وبالرغم من أن الأضرار اقتصرت على الجوانب المادية دون وقوع خسائر بشرية، إلا أن الرسالة الاقتصادية كانت بالغة الخطورة، إذ إن استهداف قطاع النفط يعني تهديد المورد الوحيد لعيش العراقيين، ووضع الشركات الاستثمارية العالمية في حالة رعب دائم، مما قد يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال وتعطيل مشاريع التنمية التي تسعى الحكومة لترسيخها في بلد يئن تحت وطأة الأزمات المتلاحقة منذ عقود.

انتفاضة السوداني الأمنية والحزم المفقود

أمام هذا التحدي الوجودي لاستقرار الدولة، اتخذ رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة، محمد شياع السوداني، قرارات حازمة هدفت إلى تدارك الانهيار الأمني، شملت إقالة جميع مسؤولي الأجهزة الاستخبارية في منطقة سهل نينوى، كإجراء عقابي على الفشل في رصد وإيقاف منصات إطلاق المسيرات التي تستهدف المصالح الأجنبية والسيادية.

وشدد السوداني -في تصريحاته الأخيرة- على أن مصلحة العراق العليا فوق كل اعتبار، مؤكدًا أن القوات المسلحة لن تتهاون مع أي جهة تحاول جر البلاد إلى الحرب أو تهديد الأمن الوطني.

غير أن هذه الإجراءات الإدارية تواجه تساؤلات صعبة حول مدى قدرتها على لجم الفصائل المسلحة الموالية لإيران، والتي تمتلك نفوذًا واسعًا داخل وخارج مؤسسات الدولة، حيث يرى مراقبون أن “حرب المسيرات” باتت أداة سياسية لابتزاز الحكومة والضغط على واشنطن في آن واحد، مما يضع استقرار العراق الهش تحت اختبار حقيقي أمام المجتمع الدولي الذي يراقب بقلق مدى قدرة بغداد على حماية البعثات الدبلوماسية والشركات العالمية.

سيناريوهات الانزلاق وتداعيات السيادة

إن استمرار اختراق السيادة العراقية عبر الطائرات المسيرة، سواء كانت منشأها داخلياً عبر فصائل مسلحة أو خارجيًا كجزء من الصراع الإقليمي، يضع الدولة العراقية أمام سيناريوهات قاتمة، فإذا استمر عجز المنظومة الدفاعية والاستخبارية عن تحييد هذه التهديدات، فقد يجد العراق نفسه معزولاً دوليًا ومحرومًا من الاستثمارات الضرورية لإعادة الإعمار، بل وقد يتحول إلى ساحة قتال مباشرة تتلقى فيها مدنه ضربات انتقامية من الأطراف الدولية المتصارعة.

إن التحدي الأكبر يكمن في ضرورة توحيد القرار العسكري وحصر السلاح بيد الدولة بشكل فعلي لا صوري، ومنع استغلال الأراضي العراقية لتنفيذ أجندات خارجية.

فالعراق الذي بدأ لتوه في التعافي من حروب الإرهاب لا يحتمل أن يكون “صندوق بريد” لرسائل الدم الإقليمية، وهو ما يتطلب تكاتفًا سياسيًا وطنيًا يدعم خطوات رئيس الوزراء في فرض هيبة القانون ومنع أي جهة، مهما بلغت قوتها، من رهن مستقبل البلاد بصراعات لا تخدم المصالح الوطنية العراقية.