ذات صلة

جمع

مقامرة الدم.. القصة الكاملة لمحاولات الإخوان العودة للسلطة فوق أشلاء السودانيين

يعيش السودان اليوم واحدة من أخطر أزماته الوجودية، بسبب نتاج تراكمات لعقود من سياسات “التمكين” التي انتهجها تنظيم الإخوان المسلمين “الحركة الإسلامية” طوال ثلاثين عاماً من الحكم المطلق، وهي السياسات التي لم تنتهِ بسقوط رأس النظام في أبريل 2019، بل تحولت إلى “خلايا نائمة” و”كتائب ظل” تعمل بنشاط محموم لاستعادة السلطة ولو كان ذلك على جثث السودانيين، وفي ظل دمار شامل يضرب البنية التحتية للدولة.


إن ما يشهده السودان الآن هو “مقامرة دم” حقيقية، يقودها قادة النظام البائد من مخابئهم، مستخدمين كافة الوسائل الدعائية والعسكرية لإطالة أمد الحرب، معتبرين أن استمرار الصراع هو فرصتهم الوحيدة للهروب من المحاسبة القانونية والشعبية، ولخلق واقع جديد يفرضهم كلاعب أساسي في أي تسوية سياسية قادمة، ضاربين عرض الحائط بكل النداءات الدولية والإقليمية التي تطالب بوقف نزيف الدماء وتغليب مصلحة الوطن على مصالح التنظيم الضيقة.


جرائم كتائب الظل وترهيب المدنيين


تعد “كتائب الظل” الجناح العسكري السري الذي أسسه الإخوان في السودان أحد أبرز الأدوات التي استُخدمت لترهيب الخصوم السياسيين وقمع الحراك الشعبي، ومع اندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة برز دور هذه الكتائب بشكل فج عبر مشاركتها المباشرة في القتال تحت مسميات مختلفة، ما أدى إلى تعقيد المشهد الميداني وتحويل الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.


تشير التقارير الحقوقية المستقلة إلى أن عناصر محسوبة على النظام الإخواني السابق انخرطت في عمليات تحريض واسعة، واستخدمت منصات التواصل الاجتماعي لبث خطاب الكراهية والفتنة القبلية، مما ساهم في تمزيق النسيج الاجتماعي السوداني الذي كان يتميز بالتسامح والتعايش، وهذه الجرائم لا تتوقف عند التحريض اللفظي، بل تمتد لتشمل عرقلة وصول المساعدات الإنسانية في بعض المناطق، واستخدام المنشآت المدنية لأغراض عسكرية، وهو ما يضع قادة هذا التنظيم تحت طائلة القانون الدولي كمرتكبي جرائم حرب ساهموا بشكل مباشر في تشريد الملايين داخل وخارج السودان.


اختراق مؤسسات الدولة وتعطيل الانتقال


لم تكن عملية الانتقال الديمقراطي في السودان لتتعثر لولا الألغام التي زرعها الإخوان داخل مؤسسات الدولة الحيوية، من الخدمة المدنية إلى الأجهزة الأمنية والاقتصادية، حيث عمل التنظيم طوال عقود على بناء “دولة موازية” تدين بالولاء للحزب لا للوطن، وعندما بدأت ملامح الدولة المدنية في الظهور، سارع هؤلاء إلى افتعال الأزمات الاقتصادية وتخريب قنوات الإمداد لإظهار فشل الحكومة الانتقالية.


إن الجريمة الكبرى التي ارتكبها الإخوان في حق الشعب السوداني هي محاولة اختطاف القرار الوطني لصالح أجندات خارجية وتنظيمية عابرة للحدود، مما جعل السودان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، حيث يرى التنظيم في استقرار السودان وتوجهه نحو الديمقراطية والشفافية نهاية حتمية لوجوده المالي والسياسي، ولذلك يبذل قصارى جهده لتعطيل أي تقارب بين القوى السياسية المدنية والمؤسسة العسكرية، ساعياً دائماً إلى نشر بذور الشك والتخوين بين رفاق الثورة وجر البلاد نحو مستنقع العنف الشامل.


تهديد الأمن العالمي والإقليمي


لا تتوقف مخاطر مقامرة الإخوان عند حدود السودان، بل تمتد لتشكل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي، فالسودان بموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر وجواره لسبع دول يمثل صمام أمان للقارة الإفريقية، وتحويله إلى بؤرة للصراع المسلح تحت إشراف وتخطيط إخواني يفتح الباب على مصراعيه لنمو الجماعات المتطرفة وتجارة السلاح والبشر، وهو ما يهدد الملاحة الدولية واستقرار دول الجوار.


المجتمع الدولي يراقب بقلق كيف يحاول الإخوان استغلال الفراغ الأمني لإعادة بناء شبكاتهم الإرهابية، مستفيدين من حالة الفوضى لتمرير عناصرهم وأموالهم، وهذا المخطط الإخواني لإغراق السودان في الدم لا يستهدف الداخل السوداني فحسب، بل يهدف إلى إرسال رسالة للعالم مفادها أن البديل عن حكمهم هو الفوضى المطلقة، وهي سياسة “الابتزاز السياسي” التي يمارسها التنظيم منذ عقود، مما يتطلب موقفاً دولياً حازماً لتجفيف منابع تمويل هذه التحركات وفرض عقوبات صارمة على الرؤوس المدبرة لهذه الفتنة.


سيناريوهات المستقبل وسبيل النجاة


إن الخروج من نفق مقامرة الدم الإخوانية يتطلب وعياً جمعياً من كافة أطياف الشعب السوداني بضرورة عزل عناصر النظام البائد سياسياً واجتماعياً، والتمسك بمسار التحول الديمقراطي الذي نادت به ثورة ديسمبر المجيدة، فالحل لن يكون عبر السلاح الذي يغذيه الإخوان، بل عبر حوار وطني شامل يستثني من تلطخت أيديهم بدماء السودانيين ومن عملوا على تخريب الدولة.


يجب على القوى المدنية والفاعلين الدوليين الضغط باتجاه تجريد المليشيات الإخوانية من سلاحها وتفكيك مفاصل الدولة الموازية التي لا تزال تعمل في الخفاء، لأن استدامة السلام في السودان مستحيلة في ظل وجود تنظيم يرى في الحرب وسيلة وحيدة للبقاء. إن مستقبل السودان يتوقف على مدى قدرة شعبه على انتزاع بلده من براثن هذا المخطط الشيطاني، والعمل على بناء جيش وطني مهني موحد بعيداً عن الأدلجة الحزبية، ودولة قانون تضمن المحاسبة لكل من أجرم في حق الوطن والمواطن طوال العقود الماضية.