ذات صلة

جمع

من الاغتيالات إلى تسفير الشباب.. لماذا يطالب نواب تونس بتصنيف “النهضة” إرهابية؟

تشهد الساحة السياسية والتشريعية في تونس منعطفًا تاريخيًا وحاسمًا،...

ما بعد خامنئي.. صراع الخلافة يرسم مستقبل إيران

دخلت إيران مرحلة سياسية شديدة الحساسية بعد الإعلان عن...

من الاغتيالات إلى تسفير الشباب.. لماذا يطالب نواب تونس بتصنيف “النهضة” إرهابية؟

تشهد الساحة السياسية والتشريعية في تونس منعطفًا تاريخيًا وحاسمًا، حيث تصاعدت وتيرة المطالبات البرلمانية والشعبية لإنهاء وجود حركة النهضة “الذراع السياسي للإخوان المسلمين” عبر مشروع قانون يهدف إلى حلها وتصنيفها كـ “منظمة إرهابية”.

هذا التحرك الذي تقوده النائبة فاطمة المسدي مدعومة بكتل برلمانية واسعة، لا ينطلق من فراغ سياسي، بل يستند إلى تراكمات من الملفات القضائية والأدلة الجنائية التي بدأت تطفو على السطح بشكل رسمي.

ويرى النواب المطالبون بهذا القانون، أن الحركة استغلت مناخ الديمقراطية بعد عام 2011 لتغلغل أجندات تنظيمية عابرة للحدود، مارست من خلالها أقصى أنواع الانتهاكات ضد الدولة التونسية ومؤسساتها السيادية، مما جعل بقاءها كحزب قانوني خطرًا داهمًا يهدد مدنية الدولة والسلم الأهلي، وهو ما يتطلب معالجة تشريعية جذرية تقطع مع ما يصفه التونسيون بـ “العشرية السوداء”.

ملف الاغتيالات السياسية والجهاز السري

تأتي قضية الاغتيالات السياسية في مقدمة الأسباب التي يدفع بها نواب تونس لتصنيف “النهضة” كحركة إرهابية، حيث يشير مشروع القانون المقترح إلى تورط الجهاز السري التابع للحركة في التخطيط والتحريض على تصفية المعارضين السياسيين.

ويعد اغتيال الشهيدين “شكري بلعيد” و”محمد البراهمي” الجرح النازف في الذاكرة التونسية الذي لم يندمل بعد، خاصة مع توالي الكشف عن وثائق سرية ومحاضر تحقيق تشير إلى وجود هيكل موازٍ داخل الحركة كان يدير العمليات القذرة بعيداً عن أعين الدولة.

ويؤكد البرلمانيون، أن “النهضة” لم تكن مجرد منافس سياسي، بل كانت كيانًا يمتلك أذرعًا مسلحة واستخباراتية، وهو ما يتنافى مع قانون الأحزاب، ويضعها مباشرة تحت طائلة قانون مكافحة الإرهاب، كونها استخدمت العنف كوسيلة لإقصاء الخصوم وترهيب المجتمع.

كارثة “تسفير الشباب” وتدمير الأمن القومي

أما الملف الثاني والأكثر قسوة، فهو ملف “تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر” في سوريا والعراق وليبيا خلال فترة حكم النهضة.
ويتهم النواب قيادات الحركة بتسهيل خروج آلاف الشباب التونسيين عبر شبكات منظمة، وتوفير الغطاء السياسي واللوجستي لعمليات التجنيد لصالح التنظيمات الإرهابية الدولية.

هذه القضية لم تكن مجرد خرق أمني، بل اعتُبرت جريمة ضد الإنسانية وتآمرًا على أمن الدولة التونسية، حيث تحولت تونس في تلك الفترة إلى أكبر مصدر للمقاتلين الأجانب في صفوف “داعش”.

ويرى نواب البرلمان، أن تصنيف النهضة كإرهابية هو السبيل الوحيد لمحاسبة العقول المدبرة لهذه العمليات، وضمان عدم تكرار استغلال مؤسسات الدولة ومطاراتها في تخريب دول شقيقة وتلويث سمعة الشباب التونسي في المحافل الدولية.

الاختراق المؤسسي والفساد المالي العابر للحدود

بالإضافة إلى العنف المادي، يركز مشروع القانون على “العنف المؤسسي” والفساد المالي الذي مارسته الحركة لتمكين عناصرها من مفاصل الإدارة العامة والقضاء والأمن.

وتكشف التقارير الرقابية عن تدفقات مالية ضخمة ومشبوهة من الخارج كانت تصل إلى خزائن الحركة تحت مسميات جمعيات خيرية ودعوية، وهي في الحقيقة أموال سياسية كانت تُستخدم لشراء الولاءات وبناء قاعدة انتخابية عبر استغلال حاجة المواطنين.

إن استغلال “النهضة” للمال الفاسد والعلاقات المشبوهة مع أطراف دولية وتنظيمات إقليمية هو ما يدفع المشرعين اليوم للمطالبة بـ “الحل المالي” للحركة أيضًا، عبر مصادرة أصولها وتجفيف منابع تمويلها التي اعتمدت على “غسل الأموال” والارتهان لأجندات خارجية لا تمت للمصلحة الوطنية بصلة.

صناعة القرار القانوني وحماية الجمهورية

لا تقتصر المطالبة بتصنيف حركة النهضة كإرهابية على الجانب الانتقامي، بل تهدف بالأساس إلى حماية “الجمهورية الثالثة” وتثبيت دعائم الدولة المدنية التي لا تخلط بين الدين والسياسة.

إن نواب تونس اليوم، وفي مقدمتهم فاطمة المسدي، يطالبون بوضع “النهضة” في مكانها الطبيعي وفقًا للأدلة الميدانية، أي خارج سياق العمل السياسي تمامًا.

إن مشروع القانون المقترح يتضمن بنودًا تمنع قادة الحركة من الترشح أو العمل في الوظائف السيادية لمدة زمنية طويلة، لضمان عدم عودة “الفكر الإقصائي” بأسماء مستعارة.

هذا التحرك التشريعي يمثل استجابة لنبض الشارع الذي خرج في مناسبات عديدة للمطالبة بالمحاسبة، وهو ما يعزز من شرعية البرلمان في اتخاذ مثل هذه القرارات المصيرية التي تهدف إلى تحصين تونس ضد أي اختراق مستقبلي من قبل جماعات الإسلام السياسي.

الاستنتاجات الختامية وتحديات المسار القضائي

إن الانتقال من مرحلة “الإدانة الأخلاقية” إلى مرحلة “التصنيف الإرهابي” يضع تونس أمام تحدٍ قضائي ودولي كبير. فمشروع القانون الذي يتبناه النواب هو “المسمار الأخير” في نعش الوجود الإخواني في تونس، لكنه يتطلب دقة عالية في الصياغة القانونية لضمان عدم المساس بالحريات العامة أو استغلال القانون في مآرب أخرى.

إن اتهام النهضة بجرائم ضد الإنسانية والاغتيالات والتسفير هي تهم ثقيلة كفيلة بشطبها من الوجود القانوني في أي نظام ديمقراطي يحترم سيادة القانون.

ويبقى القرار النهائي بيد مؤسسات الدولة التي يبدو أنها عازمة في عام 2026 على كتابة فصل جديد من تاريخ تونس، عنوانه “السيادة الوطنية أولاً”، بعيدًا عن التنظيمات التي ترى في الوطن مجرد “ساحة” لمشاريعها الأممية المشبوهة.