ذات صلة

جمع

تحدي العائدين من العراق.. هل تنجح المقاربة الأمنية التونسية في ترويض “الذئاب المنفردة”؟

تقف الدولة التونسية أمام معضلة أمنية وقانونية بالغة التعقيد،...

تحالف الأيديولوجيا والدم.. كيف يختطف الإخوان وإيران مستقبل السودان؟

لم تعد الحرب المستعرة في السودان مجرد نزاع داخلي...

خيوط الفوضى.. كيف تستخدم طهران التصعيد العسكري كدرع لحماية النظام الفاشي؟

دخلت المنطقة العربية والمحيط الإقليمي في مرحلة هي الأكثر...

تحدي العائدين من العراق.. هل تنجح المقاربة الأمنية التونسية في ترويض “الذئاب المنفردة”؟

تقف الدولة التونسية أمام معضلة أمنية وقانونية بالغة التعقيد، تتلخص في كيفية التعامل مع ملف المقاتلين التونسيين العائدين من جبهات القتال في العراق وسوريا، والذين باتوا يعرفون في الأدبيات الأمنية بـ “الذئاب المنفردة”.

إن هذا الملف يضع السلطات التونسية فعليًا “بين المطرقة والسندان”؛ مطرقة الالتزامات الدولية والحقوقية التي تفرض استقبال مواطنيها ومحاكمتهم وفق معايير العدالة، وسندان التهديدات الوجودية التي يمثلها هؤلاء المقاتلون المشبعون بفكر متطرف وخبرات قتالية وميدانية اكتسبوها في أعنف بؤر الصراع بالعالم.

وتتزايد المخاوف التونسية بشكل ملحوظ مع ورود تقارير استخباراتية تشير إلى محاولات تسلل لعدد من هؤلاء العناصر عبر مسالك تهريب معقدة في الصحراء الكبرى أو عبر استخدام هويات مزورة لمواطنين من دول أخرى، مما يجعل من تعقبهم مهمة شاقة تتطلب يقظة أمنية فائقة وتنسيقًا دوليًا واسع النطاق لمنع تحولهم إلى خلايا نائمة داخل النسيج المجتمعي التونسي الذي يسعى للاستقرار والتعافي الاقتصادي.

إرث “التسفير” وتبعات الفراغ السياسي السابق

لا يمكن فهم جذور أزمة العائدين من العراق اليوم دون العودة إلى ملف “التسفير” الشائك، الذي شهدته تونس في أعقاب عام 2011، حيث فُتحت الأبواب أمام آلاف الشباب التونسي للالتحاق بتنظيمات إرهابية تحت غطاء “الجهاد” المزعوم.

وترى مصادر، أن السياسات التي اتبعتها تيارات الإسلام السياسي في تلك الفترة ساهمت بشكل مباشر في جعل تونس واحدة من أكبر الدول المصدرة للمقاتلين الأجانب إلى بؤر التوتر، وهو الإرث الثقيل الذي تحاول الدولة التونسية حاليًا تفكيكه ومواجهته بكل حسم.

إن العناصر العائدة اليوم ليست مجرد أفراد مغرر بهم، بل هم “خريجو” مدرسة إجرامية منظمة، يحملون في عقولهم خرائط للتدمير وفي نفوسهم رغبة في الانتقام من الدولة الوطنية التي يعتبرونها كافرة.

هذا الواقع يفرض على الأجهزة الأمنية التونسية تحديث استراتيجياتها لتشمل ليس فقط الرقابة الحدودية، بل أيضًا المتابعة الدقيقة للفضاءات الرقمية التي يستخدمها هؤلاء “الذئاب” للتواصل والتخطيط، فضلاً عن مراقبة بيئاتهم الاجتماعية التي قد توفر لهم حاضنة مؤقتة للاختباء والتحين قبل تنفيذ عملياتهم الغادرة.

تحديات السجون وإعادة التأهيل الفكري

عندما تنجح السلطات التونسية في إلقاء القبض على العناصر العائدة من العراق، تبدأ مرحلة جديدة من التحدي لا تقل خطورة عن الملاحقة الميدانية، وهي مرحلة الإيداع بالسجون.

إن اكتظاظ السجون التونسية بمدانيين في قضايا إرهابية يطرح تساؤلاً جوهريًا حول فعالية برامج “إعادة التأهيل” وخطورة “العدوى الفكرية” داخل الزنزانات.

ويخشى الخبراء الأمنيون من أن تتحول السجون إلى “أكاديميات إرهابية” جديدة، حيث يقوم المقاتلون العائدون بنشر أفكارهم المتطرفة بين السجناء الجنائيين العاديين، مما يخلق جيلاً جديدًا من المتطرفين الذين قد يخرجون للمجتمع وهم يحملون نفس العقيدة القتالية.

ومن هنا، اتجهت الدولة التونسية نحو سياسة “العزل المشدد” للقيادات الإرهابية الخطيرة القادمة من الخارج، مع محاولة تطبيق برامج مناصحة فكرية بإشراف علماء من جامعة الزيتونة وخبراء علم نفس، رغم الصعوبات الكبيرة في إقناع عناصر تمرست على القتل والدمار بالتخلي عن قناعاتها الراسخة التي تشكلت في وديان العراق وجبال الشام.

استراتيجية “الذئاب المنفردة” والتسلل الصامت

يمثل مفهوم “الذئاب المنفردة” الكابوس الأكبر للأمن التونسي، فهؤلاء الأفراد قد لا يحتاجون لتنظيم مركزي أو أوامر مباشرة لتنفيذ عمليات إرهابية، بل يكفي أن يتوفر لديهم الدافع الفكري والأداة البسيطة لإحداث صدمة أمنية ومجتمعية.

إن المقاتلين العائدين من العراق يمتلكون قدرة عالية على التخفي والاندماج في المجتمعات المحلية تحت ستار ممارسة مهن عادية، بانتظار “ساعة الصفر” التي قد تحددها لهم قياداتهم عبر تطبيقات مشفرة أو بناءً على اجتهادهم الشخصي لضرب أهداف استراتيجية كالمواقع السياحية أو المقرات السيادية.

هذه الاستراتيجية “الصامتة” تجعل من الصعب استباق العمليات الإرهابية عبر الوسائل التقليدية، وتجعل من “المواطن” شريكًا أساسيًا في المنظومة الأمنية عبر التبليغ عن التحركات المشبوهة.

وتعمل وزارة الداخلية التونسية حاليًا وعلى تعزيز دور الأمن الوقائي والاستعلاماتي في الأحياء الشعبية والمناطق الحدودية لقطع الطريق أمام أي محاولات لتكوين خلايا عنقودية قد تستهدف ضرب مسار الاستقرار الذي تحاول البلاد ترسيخه في مرحلة ما بعد التغييرات السياسية الأخيرة.

آفاق المواجهة وتحصين الأمن القومي
يظل ملف العائدين من العراق قنبلة موقوتة تتطلب معالجة شاملة تتجاوز البعد الأمني إلى الأبعاد السياسية، والاجتماعية، والثقافية.

إن نجاح تونس في مواجهة شبح “الذئاب المنفردة” يعتمد بشكل أساسي على قوة الدولة في فرض هيبتها وتجفيف منابع التطرف من جذورها، بالتوازي مع تحسين الأوضاع المعيشية التي غالبًا ما يستغلها الإرهابيون لاستقطاب المهمشين.

كما أن التعاون الاستخباراتي مع العراق والدول المجاورة يظل حجر الزاوية في تتبع مسارات الهروب والعودة لهؤلاء المقاتلين.

تونس اليوم، رغم جسامة التحدي، تبدو أكثر إصرارًا على حماية حدودها وعمقها الشعبي من لوثة الإرهاب، مدركة أن المعركة مع العائدين من جبهات القتال هي معركة وجودية تتطلب نفسًا طويلاً وتلاحمًا وطنيًا لا يقبل القسمة، لضمان عدم عودة عقارب الساعة إلى الوراء ولحماية التجربة التونسية من أي اختراق يهدد دماء أبنائها ومستقبل أجيالها.