ذات صلة

جمع

تحدي العائدين من العراق.. هل تنجح المقاربة الأمنية التونسية في ترويض “الذئاب المنفردة”؟

تقف الدولة التونسية أمام معضلة أمنية وقانونية بالغة التعقيد،...

تحالف الأيديولوجيا والدم.. كيف يختطف الإخوان وإيران مستقبل السودان؟

لم تعد الحرب المستعرة في السودان مجرد نزاع داخلي...

خيوط الفوضى.. كيف تستخدم طهران التصعيد العسكري كدرع لحماية النظام الفاشي؟

دخلت المنطقة العربية والمحيط الإقليمي في مرحلة هي الأكثر...

ساعة الحقيقة في لبنان.. هل يمتثل حزب الله لقرار الحكومة بحظر سلاحه وحصره في يد الدولة؟

استيقظ اللبنانيون على واحد من أجرأ القرارات السيادية منذ اتفاق الطائف، حيث أعلنت الحكومة اللبنانية رسميًا حظر كافة الأنشطة العسكرية لحزب الله على كامل التراب الوطني، مع تكليف الجيش اللبناني بحصر السلاح في يد الدولة وانتشاره المكثف في المناطق الحساسة وشمال نهر الليطاني.

ويمثل هذا القرار “ساعة الحقيقة” التي طال انتظارها، حيث يضع الدولة اللبنانية في مواجهة مباشرة مع منظومة “فائض القوة” التي عطلت مفاصل القرار الوطني لعقود، ويأتي هذا التحرك في توقيت إقليمي حساس شهد تآكل مراكز القوى التي كانت تدعم الحزب خارجيًا، مما فتح نافذة فرصة تاريخية للقوى السيادية في بيروت لاستعادة هيبة الدولة ومؤسساتها الدستورية من قبضة السلاح غير الشرعي.

إن هذا التحول الدراماتيكي في موقف الحكومة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكمات من الانهيار الاقتصادي والعزلة العربية التي فرضت على لبنان بسبب ارتهان قراره العسكري لأجندات إقليمية غريبة عن مصلحة الوطن.

ومع صدور هذا القرار، بات السؤال الجوهري الذي يتردد في أروقة الصالونات السياسية وفي شوارع بيروت والجنوب، هل سيمتثل حزب الله لإرادة الدولة ويتحول إلى حزب سياسي مدني، أم سيختار المواجهة الصفرية مع المؤسسة العسكرية التي تحظى بإجماع وطني ودعم دولي غير مسبوق؟ إن الإجابة على هذا التساؤل ستحدد ملامح “لبنان الجديد” الذي يسعى للنهوض من ركام الأزمات، وتؤكد ما إذا كانت “الجمهورية الثالثة” قد بدأت فعليًا في بسط سيادتها المطلقة.

بموازاة التحرك الميداني، بدأت الحكومة اللبنانية تحركًا دبلوماسيًا واسعًا لإطلاع القوى الدولية والعربية على قرار حظر نشاط الحزب العسكري، مطالبةً بدعم لوجستي ومالي للجيش اللبناني لتمكينه من القيام بمهامه الجديدة بكفاءة عالية.

وتراهن بيروت على أن هذه الخطوة ستفتح الباب أمام تدفق المساعدات والاستثمارات العربية التي توقفت بسبب هيمنة الحزب على مفاصل الدولة، حيث يمثل حظر السلاح غير الشرعي الضمانة الأساسية لاستقرار المناخ الاستثماري وإعادة دمج لبنان في المنظومة المالية العالمية.

إن “ساعة الحقيقة” لا تعني فقط نزع السلاح، بل تعني أيضًا البدء في مشروع بناء الدولة الحديثة التي تقوم على أساس المواطنة والقانون، بعيدًا عن منطق “الكانتونات” المسلحة.

حزب الله بين خياري الانكفاء أو الصدام

يجد حزب الله نفسه اليوم في الزاوية الأكثر ضيقًا منذ نشأته، خاصة بعد “ضربات الغضب الملحمي” التي أضعفت خطوط إمداده وأربكت قيادته المركزية، مما يجعله أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما الامتثال لقرار الحظر والانخراط في العملية السياسية كحزب مدني منزوع السلاح، وهو ما يعني نهاية مشروعه العقائدي كـ “رأس حربة” إقليمي، أو اختيار التصعيد الميداني ضد قرارات الحكومة والجيش، وهو خيار محفوف بالمخاطر قد يؤدي إلى خسارته لما تبقى من حاضنته الشعبية التي لم تعد تحتمل مزيدًا من الحروب والدمار.

إن لغة الخطاب التي ستصدر عن الحزب في الأيام القادمة ستكون المؤشر الحقيقي على مدى وعيه بالتغيرات الجذرية في موازين القوى المحلية والدولية.

وتشير تقارير استخباراتية إلى وجود تململ داخل الصفوف المتوسطة في الحزب، حيث يرى البعض أن زمن “القتال بالوكالة” قد انتهى وأن الأولوية يجب أن تكون لحماية المكون الاجتماعي للطائفة عبر الانخراط في الدولة، بينما ما يزال “الحرس القديم” يتمسك بالسلاح كضمانة وحيدة للبقاء.

إن هذا الانقسام الداخلي قد يسهل مأمورية الدولة في تنفيذ قرار الحظر إذا ما نجحت في تقديم تطمينات وضمانات سياسية لكافة المكونات اللبنانية، مما يجعل من “حصر السلاح شمال الليطاني” خطوة أولى نحو خارطة طريق وطنية لنزع السلاح في كافة المناطق اللبنانية وتفكيك الدويلات الأمنية التي نخرت جسد الوطن لسنوات طويلة.

إن التحديات ضخمة والمخاطر جسيمة، لكن ثمن الصمت والارتهان كان أغلى بكثير، واليوم يمتلك لبنان فرصة نادرة لصناعة مستقبله بيد أبنائه وحدهم، تحت ظل علم واحد وسلاح واحد وقانون واحد.