تمثل العلاقة بين جماعة الحوثي في اليمن والنظام الإيراني في طهران نموذجًا فريدًا من علاقات “الوكالة العسكرية” التي تجاوزت مجرد الدعم اللوجستي لتصبح تحالفًا استراتيجيًا عضويًا يستهدف بالدرجة الأولى زعزعة استقرار الدول العربية.
ومنذ سيطرة المليشيا الحوثية على العاصمة صنعاء، عملت إيران بكدّ على تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة متقدمة لإطلاق التهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة، مستغلة الموقع الجيوسياسي الفريد لليمن المطل على مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
هذا التحالف لم يعد يقتصر على الأهداف المحلية داخل اليمن، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية إيرانية شاملة تُعرف بـ “وحدة الساحات”، تهدف إلى محاصرة العمق العربي بحزام من النيران يبدأ من صنعاء ويمر عبر بغداد ودمشق وصولاً إلى بيروت.
“وحدة الساحات” والارتباط العقدي والعسكري
تعتبر عقيدة “وحدة الساحات” المحرك الرئيسي للتحركات الحوثية الأخيرة، وهي عقيدة عسكرية تتبناها إيران لربط كافة وكلائها في المنطقة بمركز قرار واحد في طهران، بحيث يصبح أي هجوم على أحد أطراف هذا المحور مبررًا لرد فعل من الأطراف الأخرى.
وفي الحالة الحوثية، تجلى هذا الارتباط من خلال شن هجمات صاروخية بعيدة المدى استهدفت العمق العربي ردًا على ضغوط دولية أو إقليمية تتعرض لها إيران، مما يحول اليمن من دولة ذات سيادة إلى مجرد “ساحة إشغال” تخدم الأجندة التوسعية الإيرانية.
هذا الارتباط لا يقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد ليشمل الجوانب العقائدية والإعلامية، حيث تدار الماكنة الدعائية الحوثية بخبرات إيرانية تروج لمفهوم “المقاومة” لتبرير استهداف الأشقاء العرب وقتل المدنيين الأبرياء.
وعلى المستوى التقني، أثبتت التقارير الاستخباراتية الدولية، أن الصواريخ الباليستية من طراز “بركان” والطائرات المسيرة من طراز “صماد” و”وعيد” ليست سوى نسخ مطورة أو معاد تجميعها من طرازات إيرانية شهيرة مثل “شهاب” و”شاهد”.
استهداف الملاحة الدولية وتهديد الاقتصاد العربي
لم يكتفِ التحالف الإيراني الحوثي باستهداف المدن والمنشآت البرية، بل انتقل إلى مرحلة أكثر خطورة تتمثل في عسكرة البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو الممر الذي يعبره نحو 12% من حجم التجارة العالمية سنويًا.
إن عمليات القرصنة واستهداف السفن التجارية بـ “الزوارق المفخخة” والألغام البحرية التي زرعتها المليشيا الحوثية بتوجيهات إيرانية واضحة، أدت إلى ارتباك شديد في حركة الملاحة وارتفاع جنوني في أقساط التأمين البحري، مما أثر سلبًا على اقتصادات الدول العربية المطلة على هذا الممر، وفي مقدمتها مصر والسعودية والأردن، حيث تضررت إيرادات الموانئ وقناة السويس نتيجة عزوف بعض الشركات عن المرور في هذه المنطقة الملتهبة.
ويرى المحللون، أن التواجد الإيراني غير المباشر في البحر الأحمر عبر الوكيل الحوثي يهدف إلى إحكام قبضة طهران على “خناق العالم” الاقتصادي، فبينما تسيطر إيران جغرافيًا على مضيق هرمز، فإنها عبر الحوثيين تسيطر فعليًا على مضيق باب المندب، مما يمنحها القدرة على قطع شريان التجارة الدولية في لحظات الصراع الكبرى.
هذا الاستهداف الممنهج للسفن العربية والدولية ليس مجرد رد فعل على أحداث محلية، بل هو تطبيق عملي لاستراتيجية “تصدير الثورة” الإيرانية التي تسعى لتقويض السيادة العربية وجعل الاستقرار الإقليمي رهينة بيد المرشد الأعلى في طهران، وهو ما يتطلب موقفًا عربيًا ودوليًا موحدًا لوقف هذا النزيف الأمني والاقتصادي.
إن ارتهان جماعة الحوثي للقرار الإيراني أدى إلى عزل اليمن عن محيطه العربي التاريخي، وتسبب في كارثة إنسانية هي الأسوأ في العصر الحديث، حيث تم تسخير كافة موارد الدولة اليمنية المنهوبة لصالح المجهود الحربي وخدمة الأجندة الإيرانية.
هذا الارتهان لم يقتل فقط فرص السلام والحل السياسي في اليمن، بل زرع بذور الفتنة والشقاق الاجتماعي من خلال محاولة تغيير الهوية الوطنية اليمنية العربية واستبدالها بهوية “خمينية” غريبة عن المجتمع اليمني وإن تسييس المناهج التعليمية ونشر ثقافة الكراهية ضد الدول العربية المجاورة يعد خطرًا طويل الأمد يستهدف الأجيال القادمة ويجعل من فكرة التعايش السلمي في المنطقة أمراً صعب المنال في ظل وجود مليشيا تضع ولاءها لـ “الولي الفقيه” فوق ولاءها لوطنها وعروبتها.
ومن جانب آخر، تستخدم إيران الملف اليمني كـ “ورقة مساومة” في مفاوضاتها النووية مع القوى الكبرى، حيث تقايض استقرار الدول العربية بتخفيف العقوبات عنها، وهو ما يثبت أن الحوثي ليس شريكًا في قرار الحرب أو السلم، بل هو مجرد “بيادق” على رقعة شطرنج إيرانية.
إن استهداف العمق العربي بالصواريخ الحوثية غالباً ما يتزامن مع تعثر المفاوضات في فيينا أو تشديد العقوبات على طهران؛ مما يوضح بجلاء أن أوامر الإطلاق تصدر من غرف عمليات في طهران وليس من كهوف صعدة، وهو ما يضع الدول العربية أمام تحدٍ وجودي يستوجب تعزيز التحالفات الدفاعية المشتركة وتطوير استراتيجيات الردع الكفيلة بحماية السيادة والمكتسبات الوطنية من عبث المسيرات والصواريخ العابرة للحدود.

