يواجه الفريق أول عبد الفتاح البرهان مع حلول عام 2026 مأزقًا تاريخيًا يتجاوز مجرد الصراع العسكري القائم، حيث تبلورت أزمة “الشرعية المفقودة” كحاجز صد منيع أمام أي محاولة لطرح مبادرات سياسية جديدة.
الشارع السوداني، الذي صقلته سنوات من النضال منذ ثورة ديسمبر 2018، لم يعد ينظر إلى الوعود العسكرية بمثابة طوق نجاة، بل يراها مناورات لكسب الوقت وتثبيت أركان حكم الفرد.
إن الرفض الشعبي الواسع لخارطة الطريق التي يطرحها البرهان ليس مجرد عناد سياسي، بل هو نتاج تجارب مريرة من الوعود المنقوضة، بدءًا من فض الاعتصام وصولاً إلى قرارات أكتوبر 2021 التي أطاحت بالشراكة المدنية، مما خلق فجوة من عدم الثقة لا يمكن جسرها بالخطابات الإنشائية أو التحالفات الهشة مع بقايا النظام البائد.
ذاكرة الغدر السيادي: تراكم عدم الثقة بين الشارع والقيادة
إن السبب الجوهري وراء رفض الشارع السوداني لأي مبادرة يطرحها البرهان يكمن في “أزمة الثقة” التي ضربت جذورها عقب انقلاب 25 أكتوبر.
يرى الثوار والقوى المدنية الحية أن البرهان استغل نفوذه العسكري لتقويض التحول الديمقراطي في لحظة فارقة، وهو ما جعل أي حديث عن “انتخابات” أو “انتقال مدني” تحت إشرافه بمثابة إعادة تدوير للاستبداد بوجوه جديدة.
المواطن السوداني في عام 2026 أصبح أكثر وعيًا باللعبة السياسية، حيث يدرك أن “خارطة الطريق” التي لا تتضمن محاسبة واضحة على الانتهاكات، ولا تضمن خروجًا كاملاً للمؤسسة العسكرية من المشهد الاقتصادي والسياسي، هي مجرد إعادة إنتاج للأزمات التي أدت بالبلاد إلى حافة الهاوية والتمزق الاجتماعي.
انهيار الدولة ومعادلة الأمن مقابل الحرية
حاولت السلطة القائمة في بورتسودان تسويق فكرة أن “الشرعية تستمد من القدرة على ضبط الأمن”، إلا أن الواقع الميداني في السودان كشف زيف هذه المعادلة.
فمع استمرار وتوسع رقعة النزاع المسلح وفشل القوات المسلحة تحت قيادة البرهان في حماية المدنيين في مناطق واسعة من دارفور والخرطوم والجزيرة، سقطت ورقة “الحماية” التي كان يراهن عليها النظام العسكري لكسب الشرعية.
الشارع اليوم يتساءل: كيف يمكن لمن عجز عن حماية المواطن من النهب والنزوح أن يرسم طريقًا لمستقبله السياسي؟ هذا الإخفاق الميداني عزز من قناعة السودانيين بأن الحل لا يمكن أن يأتي من عقلية عسكرية ترى في الحرب وسيلة للبقاء، بل من إرادة مدنية تعيد هيكلة الدولة على أسس العدالة والمواطنة بعيداً عن منطق السلاح.
تحالف الضرورة المرفوض: شبح النظام القديم وخارطة الطريق
تزداد حدة الرفض الشعبي لخارطة طريق البرهان بالنظر إلى طبيعة التحالفات التي يستند إليها مؤخرًا، حيث يبرز بوضوح دور عناصر النظام السابق (الإسلاميين) في صياغة ودعم توجهات القائد العام. بالنسبة لقطاع عريض من الشباب السوداني ولجان المقاومة، فإن عودة الوجوه القديمة تحت مظلة الجيش هي “خط أحمر” لا يمكن تجاوزه، ويعتبرون أن البرهان قد سلم قرار البلاد لجهات لفظها الشعب في ثورة عارمة.
هذه التوجسات ليست مجرد شكوك، بل تدعمها قرارات التعيين في مفاصل الدولة والخطاب الإعلامي التحريضي الذي يتبناه مؤيدو البرهان، مما جعل “خارطة الطريق” تبدو في نظر الشارع وكأنها “خارطة عودة” لنظام الثلاثين من يونيو بصبغة عسكرية جديدة، وهو ما يفسر استمرار الاحتجاجات والرفض القاطع لأي حوار لا يفضي إلى إنهاء سيطرة العسكر تمامًا.
مآلات العناد: السودان بين التدويل والانهيار الشامل
إن إصرار البرهان على المضي قدمًا في خارطة طريق يرفضها الداخل، وضع السودان في حالة من العزلة الدولية والارتهان للمصالح الإقليمية المتضاربة. القوى الدولية، رغم تذبذب مواقفها، بدأت تدرك أن أي حل لا يحظى بقبول القوى المدنية والشارع السوداني لن يكتب له النجاح وسيكون مجرد تأجيل لانفجار أكبر.
العناد السياسي في قمة الهرم العسكري أدى إلى تجميد المساعدات الدولية وتفاقم الأزمة الإنسانية، حيث يعاني الملايين من انعدام الأمن الغذائي والخدمات الصحية.
الشارع السوداني يرى أن خارطة الطريق الحقيقية تبدأ بتنحي الوجوه التي تسببت في هذه الكارثة، وتشكيل سلطة مدنية وطنية مستقلة تمتلك الصلاحيات الكاملة لإدارة الفترة الانتقالية والتحضير لانتخابات نزيهة، بعيدًا عن ضجيج المدافع وطموحات الجنرالات الشخصية.

