ذات صلة

جمع

غليان في الشارع الليبي.. تراجع الدينار والضرائب الجديدة يشعلان فتيل الاحتجاجات

يعيش الشارع الليبي حالة من الاحتقان الشديد والترقب المشوب...

في مواجهة البرهان.. أطباء السودان يوثقون “جرائم التجويع” كأداة سياسية وعسكرية

إن استمرار الحصار العسكري ومنع وصول المساعدات الإنسانية إلى...

نهاية عصر “الملاذ الآمن”.. كيف اقتربت ساعة الحظر الشامل لتنظيم الإخوان الدولي؟

لسنوات طويلة، ظلت العاصمة البريطانية لندن توصف بأنها "الملاذ...

من المسيرات الانتحارية إلى الصواريخ الباليستية.. ما هي خارطة الاستهداف الروسي لمدن أوكرانيا؟

تكشف خارطة الاستهداف الروسية عن رغبة واضحة في تحويل الشتاء الأوكراني إلى أداة ضغط سياسي وعسكري، عبر استهداف مراكز الثقل السكاني ومنشآت الطاقة اللوجستية، مما يضع كييف أمام تحدي تأمين العمق في ظل استنزاف مستمر لمخزونات الصواريخ الاعتراضية الغربية التي باتت تُستهلك بمعدلات غير مسبوقة لمواجهة هذا “المطر الجوي” الكثيف.


خارطة الاستهداف الجغرافي


توزعت خارطة الاستهداف الروسي ليلة أمس لتشمل ثلاثة محاور استراتيجية رئيسية؛ الأول هو محور العاصمة كييف، التي تعرضت لهجوم مركّز بالمسيرات لكسر هيبة الدفاعات الجوية وإجبارها على كشف مواقع بطاريات “باتريوت”.


أما المحور الثاني، فهو محور الجنوب، وتحديداً مدينة أوديسا الساحلية، حيث استهدفت الصواريخ الباليستية البنية التحتية للموانئ ومخازن الحبوب لتعطيل أي قدرة لأوكرانيا على التصدير عبر البحر الأسود.


وفي المحور الثالث، اتجهت الصواريخ والمسيرات نحو الغرب الأوكراني، مستهدفة ولاية لفيف القريبة من الحدود البولندية، وهي المنطقة التي تُعتبر شريان الإمداد العسكري الغربي لكييف.


هذا التوزيع الجغرافي يؤكد أن هيئة الأركان الروسية تسعى لقطع أوصال البلاد وتدمير الركائز الاقتصادية والعسكرية في وقت واحد، مما يجعل الهجوم عملية “خنق استراتيجي” وليس مجرد ضربات انتقامية عابرة، وهو ما يفسر الكثافة العددية الهائلة للمقذوفات التي رصدتها الرادارات الأوكرانية.


تكتيك الإغراق الجوي واستنزاف الدفاعات
يعتمد الجيش الروسي في هجماته الأخيرة على فلسفة عسكرية تقوم على “إنهاك المنظومات الدفاعية”؛ فإطلاق 420 مسيّرة من طراز “شاهد” (أو جيران الروسية) في ليلة واحدة يعني إجبار أوكرانيا على إطلاق مئات الصواريخ الدفاعية التي تبلغ تكلفة الواحد منها أضعاف تكلفة المسيّرة الانتحارية بآلاف المرات.


هذا التفاوت الاقتصادي في “كلفة التدمير” يصب في مصلحة موسكو التي تمتلك خطوط إنتاج واسعة لهذه الدرونات، بينما تعتمد كييف على شحنات المساعدات الغربية المحدودة.


وبمجرد أن تنجح المسيّرات في استنفاد منصات الإطلاق أو إشغال الرادارات، تتدخل الصواريخ الباليستية والفرط صوتية من طراز “كينجال” لتضرب أهدافها بدقة عالية، مستغلة الثغرات اللحظية في جدار الحماية الجوي. هذا التكتيك يجعل من الصعب على أي نظام دفاعي في العالم، مهما بلغ تطوره، التعامل مع هذا الكم الهائل من المقذوفات المتزامنة دون وقوع اختراقات مؤلمة في البنية التحتية الحساسة.


صرخة كييف والحاجة للباتريوت


في أعقاب هذا الهجوم، خرج الرئيس زيلينسكي ليوجه رسالة صريحة للمجتمع الدولي، مفادها أن أوكرانيا تخوض “حرب بقاء تكنولوجية”؛ حيث أكد أن إسقاط 420 مسيّرة يتطلب ترسانة اعتراضية ضخمة لا تتوفر حالياً إلا بدعم مباشر ومستمر من واشنطن وعواصم أوروبا.


وطالب زيلينسكي بتزويد بلاده بـ7 بطاريات باتريوت إضافية على الأقل لتغطية الفجوات في خارطة الدفاع الجوي، محذراً من أن “الصمود ليس مفتوح الأمد” إذا استمرت روسيا في وتيرة الهجمات هذه.


وتكشف تصريحات الرئاسة الأوكرانية عن قلق عميق من تحول هذه الهجمات إلى روتين ليلي، مما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار شبكة الكهرباء الوطنية وتوقف المصانع الحربية المحلية، وهو الهدف الذي تسعى موسكو لتحقيقه قبل بدء أي محادثات سلام محتملة أو قبل وصول طائرات “إف-16” المطورة التي تأمل كييف أن تغير موازين القوى في الأجواء.
سيناريوهات المواجهة القادمة


إن خارطة الاستهداف الروسية التي شملت 420 مسيّرة و39 صاروخاً تشير إلى أننا بصدد مرحلة “الحسم الجوي” في عام 2026. فبينما تحاول روسيا استنزاف الاقتصاد الأوكراني والدعم الغربي عبر هذه الموجات البشرية والآلية، تسعى أوكرانيا لابتكار وسائل اعتراض أرخص ثمناً وتطوير مسيّرات بعيدة المدى لضرب القواعد التي تنطلق منها هذه الصواريخ داخل العمق الروسي.


إن المشهد الحالي يؤكد أن الحرب لم تعد صراعاً على الأرض فحسب، بل هي “معركة إرادات فوق السحاب”، حيث يمثل كل صاروخ يسقط اختباراً لمدى التزام الغرب تجاه كييف.
وفي ظل هذا الضغط، يبقى السؤال الأهم: هل سيتحرك العالم لتقديم “المظلة الحديدية” الكاملة لأوكرانيا، أم أن خارطة الاستهداف الروسي ستستمر في التوسع حتى تلتهم ما تبقى من مقومات الصمود في المدن الأوكرانية النابضة بالحياة؟ الأيام القادمة ستكون حاسمة في رسم ملامح هذه المواجهة الكبرى.