ذات صلة

جمع

في مواجهة البرهان.. أطباء السودان يوثقون “جرائم التجويع” كأداة سياسية وعسكرية

إن استمرار الحصار العسكري ومنع وصول المساعدات الإنسانية إلى...

نهاية عصر “الملاذ الآمن”.. كيف اقتربت ساعة الحظر الشامل لتنظيم الإخوان الدولي؟

لسنوات طويلة، ظلت العاصمة البريطانية لندن توصف بأنها "الملاذ...

تصعيد جديد.. إسرائيل ترصد إطلاق صواريخ من إيران نحو الأراضي المحتلة

أعلن الحرس الثوري الإيراني عن إطلاق أول موجة من...

إسرائيل تكشف اسم عمليتها ضد إيران: “الأسد الزائر”

أطلقت تل أبيب اسم “الأسد الزائر” على العملية العسكرية...

الطلاق القسري في شمال اليمن.. كيف أجهضت قيود الحوثيين جهود الإغاثة الدولية؟

دخل العمل الإنساني في شمال اليمن نفقًا مظلمًا لم يشهده منذ اندلاع الصراع قبل أكثر من عقد، حيث تصاعدت وتيرة انسحاب المنظمات الإغاثية الدولية من مناطق سيطرة الحوثيين بشكل دراماتيكي خلال الأشهر الأخيرة من عام 2025 ومطلع 2026.

هذا “الطلاق القسري” بين المجتمع الإغاثي الدولي وسلطة الأمر الواقع في صنعاء لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكمات من القيود البيروقراطية والأمنية التي فرضتها الجماعة، والتي جعلت من الاستمرار في تقديم المساعدات مهمة شبه مستحيلة.

إن مغادرة هذه المنظمات لا تعني فقط توقف تدفق الأموال، بل تعني حرمان ملايين اليمنيين من شريان الحياة الوحيد الذي كان يمنع انزلاق البلاد نحو مجاعة شاملة، في وقت تعاني فيه خطة الاستجابة الإنسانية من عجز تمويلي تاريخي تجاوز 70% من الاحتياجات المطلوبة، مما وضع المنظمات الدولية أمام خيارين كلاهما مر، إما الخضوع لشروط تعجيزية تنتهك معايير العمل الإنساني، أو الانسحاب وترك الملايين لمصيرهم المجهول.

قيود الحوثي الخانقة

تتعدد الأسباب التي أدت إلى هذا الانسحاب الجماعي، إلا أن “القيود الميدانية” تظل هي المسمار الأخير في نعش العمل الإغاثي بشمال اليمن؛ فقد فرضت سلطات صنعاء سلسلة من الإجراءات المشددة التي استهدفت استقلالية المنظمات، بدءًا من فرض ما يسمى بـ “المحرم” على الموظفات المحليات، وصولاً إلى التدخل المباشر في قوائم المستفيدين وآليات توزيع المساعدات.

وترى مصادر، أن الجماعة تسعى من خلال هذه الإجراءات إلى تحويل العمل الإغاثي إلى أداة تابعة لمنظومتها الأمنية والعسكرية، وهو ما يتنافى كليًا مع مبادئ “الحياد والاستقلالية” التي تقوم عليها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.

علاوة على ذلك، شنت الجماعة حملات اعتقالات واسعة طالت عشرات الموظفين الأمميين والدوليين بتهم وصفتها المنظمات بأنها “ملفقة” وتتعلق بالتجسس لصالح قوى خارجية، مما خلق بيئة عمل تتسم بالخوف وعدم اليقين، وأجبر كبرى الهيئات مثل برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية على تعليق أنشطتها الحيوية في مناطق الشمال لضمان سلامة كوادرها.

فجوة التمويل الدولية

بالتوازي مع الضغوط الميدانية في صنعاء، يواجه اليمن “مجاعة تمويلية” حادة نتيجة تراجع اهتمام المانحين الدوليين بالأزمة اليمنية لصالح صراعات أخرى في المنطقة والعالم؛ فقد أدى انعدام الثقة في وصول المساعدات إلى مستحقيها الفعليين في الشمال إلى إحجام دول كبرى عن تقديم الالتزامات المالية السابقة.

المانحون يرون أن ضخ الأموال في بيئة يسيطر فيها الحوثيون على مسارات التوزيع يعني دعم “اقتصاد الحرب” بدلاً من إغاثة الفقراء، وهو ما دفع المنظمات الإنسانية إلى تقليص حصص الغذاء الشهرية، وإغلاق مئات المراكز الصحية، وتوقف برامج مكافحة الكوليرا وسوء التغذية الحاد.

إن هذا التزامن بين “التعنت الداخلي” و”الإهمال الخارجي” خلق فجوة إنسانية هائلة، حيث تشير التقارير إلى أن أكثر من 16 مليون يمني في مناطق الشمال باتوا يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مع غياب تام لأي بدائل محلية قادرة على ملء الفراغ الذي خلفته المنظمات المنسحبة.

تداعيات الانسحاب الكارثية

تتجاوز تداعيات مغادرة المنظمات الإغاثية الجانب الغذائي لتطال كافة قطاعات الحياة الأساسية في شمال اليمن؛ ففي القطاع الصحي، أدى توقف الدعم الدولي إلى خروج أكثر من 50% من المنشآت الطبية عن الخدمة، مما تسبب في انتشار الأوبئة الفتاكة وارتفاع معدلات وفيات الأمهات والأطفال.

وفي مخيمات النازحين التي تضم مئات الآلاف، باتت العائلات بلا مأوى يحميها أو مياه صالحة للشرب، مما ينذر بانفجار سكاني مرعب نحو مناطق الجنوب أو الهجرة غير الشرعية.

كما أن انسحاب المنظمات أدى إلى فقدان آلاف اليمنيين لوظائفهم في القطاع الإنساني، وهو ما عمق الأزمة المعيشية وزاد من معدلات البطالة والفقر.

إن غياب “الرقابة الدولية” التي كانت توفرها هذه المنظمات يعني أيضًا غياب التقارير الحقوقية الميدانية، مما يفسح المجال لمزيد من الانتهاكات بعيدًا عن أعين المجتمع الدولي، ويحول مناطق الشمال إلى “صندوق أسود” لا يعرف أحد حجم المأساة الحقيقية التي تدور بداخله.

مستقبل غامض للإغاثة

إن ما يحدث في شمال اليمن هو “جريمة صامتة” تُرتكب بحق الملايين، حيث تُوصد أبواب الإغاثة الواحد تلو الآخر نتيجة تعنت سياسي وشح مالي غير مسبوق.

إن المسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي للضغط من أجل تحييد الملف الإنساني، كما تقع على عاتق سلطات صنعاء لإدراك أن خروج المنظمات يعني الحكم بالإعدام على قطاعات واسعة من شعبها، وإن اليمن 2026 يقف على مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تغلب لغة العقل وتُفتح المعابر والقلوب للمساعدات، وإما أن يستمر هذا “الطلاق القسري” حتى يلفظ العمل الإنساني أنفاسه الأخيرة، تاركًا خلفه إرثًا من الدمار والجوع الذي لن تمحوه السنين.