يعيش السودان حالة من الانفلات الحقوقي الذي طال مئات المواطنين، حيث برز ملف الاختفاء القسري كأحد أكثر الملفات دموية وإثارة للقلق لدى المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن مئات السودانيين قد اختفوا تمامًا عن الأنظار عقب اعتقالهم من قبل استخبارات الجيش، دون أن يتم الإفصاح عن أماكن تواجدهم أو أسباب احتجازهم، وتتم هذه العمليات غالبًا عبر مداهمات ليلية أو من خلال نقاط التفتيش المنتشرة.
حيث يتم اقتياد الأشخاص إلى جهات مجهولة تابعة للاستخبارات العسكرية، لتنقطع صلتهم بالعالم الخارجي تمامًا، مما يضع أسرهم في دوامة من القلق والبحث المضني في مشارح المستشفيات وأقسام الشرطة دون جدوى، في ظل صمت رسمي مطبق يتجاهل كافة المناشدات الإنسانية والقانونية.
سجون الاستخبارات العسكرية والمخالفات الدستورية
تعد سجون الاستخبارات العسكرية في السودان بمثابة “مناطق معزولة” عن الرقابة القضائية، حيث يتم احتجاز المدنيين فيها لفترات غير محددة دون توجيه أي تهم قانونية رسمية، وهو ما يمثل خرقًا صريحًا للوثيقة الدستورية السودانية وكافة المواثيق الدولية التي صادق عليها السودان، بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإن غياب التوصيف القانوني للمعتقلين يحرمهم من أبسط حقوقهم، وهو الحق في الدفاع أو المثول أمام قاضٍ طبيعي، مما يحول هذه السجون إلى أدوات للقمع السياسي وتصفية الحسابات بعيدًا عن أعين العدالة.
وتؤكد الشهادات المسربة من بعض المفرج عنهم أن المعتقلين يواجهون ظروفًا قاسية تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة، مع غياب الرعاية الصحية والتحقيق معهم تحت ضغوط نفسية وجسدية شديدة لانتزاع اعترافات بجرائم لم يرتكبونها.
معاناة الأسر والحرمان من حقوق الزيارة
لا تتوقف مأساة الاختفاء القسري عند الشخص المعتقل فحسب، بل تمتد لتشمل مئات العائلات التي تعيش في حالة من العذاب النفسي المستمر نتيجة الحرمان من مقابلة ذويهم أو حتى معرفة ما إذا كانوا على قيد الحياة.
وتتبع استخبارات الجيش سياسة “الإنكار المتعمد” أو رفض تقديم أي معلومات للأهالي، مما يعزز من فرضية ارتكاب انتهاكات جسيمة داخل مراكز الاحتجاز.
ويعد منع الزيارات انتهاكًا صارخًا لحق الأسرة في الاطمئنان على أفرادها، كما أنه يمنع وصول الأدوية والاحتياجات الأساسية للمعتقلين الذين يعانون من أمراض مزمنة.
وتتكرر المشاهد المؤلمة أمام مقار الاستخبارات العسكرية لأمهات وزوجات يطالبن فقط برؤية أبنائهن، ليواجهن بالصد والمنع، مما يعمق الفجوة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني ويزيد من حالة الاحتقان الشعبي.
التداعيات القانونية والإفلات من العقاب
إن استمرار ممارسة الاختفاء القسري في السودان دون مساءلة قانونية للمتورطين يعزز من سياسة الإفلات من العقاب التي باتت تسيطر على المشهد العام، فالقانون الدولي يصنف الاختفاء القسري الممنهج كجريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وهو ما يضع قيادات الجيش واستخباراته تحت طائلة الملاحقة الدولية مستقبلاً أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وترى مصادر، أن الجهاز القضائي السوداني يعاني من حالة شلل شبه كامل فيما يخص ملفات المعتقلين لدى الجيش، حيث لا تستطيع النيابة العامة أو القضاة الوصول إلى مراكز الاحتجاز التابعة للاستخبارات العسكرية، مما يجعل القانون حبرًا على ورق أمام سلطة “البندقية”، ويستدعي ذلك تدخلاً دوليًا عاجلاً للضغط على السلطات العسكرية للسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الأممية بزيارة هذه السجون والكشف عن مصير المفقودين.
دور المنظمات الحقوقية والمناشدات الدولية
تواصل لجان المقاومة السودانية والمبادرات الحقوقية رصد وتوثيق حالات الاختفاء القسري، حيث تم إنشاء قواعد بيانات تضم أسماء مئات المفقودين وتواريخ اعتقالهم والجهات التي يرجح أنها تحتجزهم، وقد رفعت هذه الجهات مذكرات عديدة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مطالبة بضرورة إرسال بعثات تقصي حقائق مستقلة.
إن الصمت الدولي حيال ما يحدث في سجون الاستخبارات العسكرية السودانية يغري السلطات بالتمادي في هذه الانتهاكات، مما يهدد حياة المئات من الناشطين والسياسيين والمواطنين العاديين الذين وجدوا أنفسهم خلف القضبان بلا ذنب، وتظل المطالبة الأساسية هي إطلاق سراح كافة المعتقلين فورًا، أو تقديمهم لمحاكمات علنية وعادلة تتوفر فيها كافة ضمانات الدفاع، مع ضرورة الكشف عن مصير الذين انقطعت أخبارهم لشهور طويلة.
العدالة المفقودة ومستقبل الاستقرار
ولا يمكن للسودان أن يحقق استقرارًا سياسيًا أو اجتماعيًا في ظل وجود ملفات معلقة مثل ملف الاختفاء القسري، إن بناء دولة القانون يتطلب بالدرجة الأولى احترام حقوق الإنسان وضمان ألا يتم اعتقال أي مواطن خارج إطار الشرعية والقضاء.
وتتحمل القيادة العسكرية الحالية المسؤولية الأخلاقية والقانونية الكاملة عن سلامة كل فرد محتجز داخل سجونها، وإن استمرار سياسة التغييب القسري لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة الدولية للسودان وتدهور وضعه الحقوقي، ويظل الأمل معلقًا على الضغط الشعبي والدولي لفتح هذه السجون السوداء وإعادة المفقودين إلى عائلاتهم، لتبدأ أولى خطوات العدالة الانتقالية التي ينشدها الشعب السوداني منذ سنوات طويلة من النضال ضد الظلم والاستبداد.

