شهدت العاصمة التونسية في الساعات الأخيرة زخماً شعبياً وحقوقياً غير مسبوق، حيث تدفّق آلاف المتظاهرين إلى الشوارع الرئيسية في تحرّك احتجاجي واسع.
تأتي هذه المسيرة في توقيت حساس تمرّ به البلاد، حيث تتصاعد الضغوط الداخلية والدولية بضرورة حسم الملفات القضائية العالقة، وضمان شروط المحاكمة العادلة للموقوفين الذين يقبع أغلبهم في السجون دون أحكام نهائية حتى الآن.
ثلاث سنوات من الاحتجاز والجدل
تعود جذور هذه الأزمة إلى موجة الاعتقالات التي انطلقت قبل ثلاث سنوات، وشملت قادة من الصف الأول لأحزاب معارضة، وناشطين حقوقيين، ورجال أعمال، وإعلاميين، في قضايا أثارت جدلاً قانونياً واسعاً في الأوساط التونسية والدولية على حد سواء.
وترى مصادر أن طول فترة الاحتجاز التحفّظي، التي بلغت أقصى مداها القانوني في بعض الحالات، قد حوّل هؤلاء الموقوفين من مجرد متهمين في قضايا قانونية إلى رموز لـ”معاناة وراء الأسوار” في نظر شق واسع من الشارع.
هذا الوضع أدّى إلى حالة من الاحتقان السياسي المزمن، حيث تعتبر عائلات المعتقلين أن ذويهم يدفعون ثمن مواقفهم السياسية المعارضة للمسار الذي انتهجه الرئيس قيس سعيّد منذ 25 يوليو 2021.
وفي المقابل، تؤكد الرواية الرسمية باستمرار أن الإجراءات المتخذة تندرج في إطار مكافحة الفساد وحماية الدولة من مخططات تستهدف استقرارها، مشددة على استقلالية القضاء التامة في التعاطي مع هذه الملفات، بعيداً عن أي حسابات سياسية ضيقة.
الموقف الحقوقي والضغط الدولي
على الصعيد الحقوقي، لم تتوقف المنظمات الوطنية والدولية، مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية، عن إصدار التقارير التي تعرب فيها عن قلقها العميق إزاء تدهور حالة الحريات في تونس.
وتؤكد هذه المنظمات أن استمرار اعتقال السياسيين لمدة ثلاث سنوات دون تقديم أدلة قطعية أو عقد محاكمات علنية وشفافة يضعف مصداقية المسار القضائي برمّته.
المسيرات الأخيرة في تونس لم تكن مجرد تحرك حزبي، بل ضمّت طيفاً واسعاً من الشخصيات المستقلة والمحامين الذين حذّروا من مغبّة تحويل السجون إلى أداة لتصفية الخصوم السياسيين.
هذا الضغط الحقوقي توازى مع دعوات من شركاء تونس الدوليين إلى ضرورة احترام سيادة القانون وضمان الحق في التعبير والتنظم السياسي، مما جعل ملف المعتقلين يتحوّل من قضية داخلية إلى محور أساسي في علاقات تونس الخارجية، حيث يربط الكثيرون بين الانفراج السياسي الداخلي وقدرة الدولة على تجاوز أزماتها الاقتصادية الخانقة من خلال تحقيق استقرار مجتمعي شامل.
سيناريوهات الانفراج وتحديات السلطة
ومع ذلك، فإن الهوّة تبدو واسعة، حيث يرى المعارضون أن حرية زملائهم هي شرط أساسي لأي حديث عن استقرار مستقبلي، بينما ترى السلطة أن المحاسبة هي الركن الأساسي لبناء “الجمهورية الجديدة” التي تنشدها، مما يجعل الأيام القادمة حاسمة في تحديد مسار هذه المواجهة المستمرة.
إن استمرار احتجاز شخصيات سياسية وازنة لمدة ثلاث سنوات ساهم في تعميق الانقسام بين مؤيد ومعارض، وهو ما يظهر بوضوح في النقاشات العامة ووسائل التواصل الاجتماعي.

