دخل المشهد السياسي العراقي نفقًا مظلمًا من التعقيدات الدولية، عقب الإعلان الصريح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رفضه القاطع لعودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء.
هذا الصدام لم يكن وليد لحظة عابرة، بل جاء نتيجة تراكمات تاريخية وعداء شخصي وسياسي، حيث يرى ترمب في المالكي المسؤول الأول عن الفوضى التي اجتاحت العراق سابقًا، والمعبر الأبرز عن النفوذ الإيراني الذي يسعى ترمب لتقليمه في ولايته الثانية.
ومع تصاعد حدة التهديدات الأمريكية بوقف المساعدات المالية والأمنية، بل والتلويح بقطع الوصول إلى عائدات النفط العراقية، يجد نوري المالكي نفسه أمام “المعادلة الأصعب” في مسيرته السياسية؛ فإما المضي قدمًا نحو المنصب وتحدي القوة العظمى، أو التراجع تحت غطاء “المصلحة الوطنية” لتفادي انهيار الدولة اقتصاديًا.
سلاح التواصل الاجتماعي يهز بغداد
لم تكن رسالة ترامب عبر منصة “تروث سوشيال” في أواخر يناير 2026 مجرد رأي شخصي، بل كانت “فيتو” سياسي مكتمل الأركان وضع الإطار التنسيقي في موقف محرج للغاية.
ترامب، بأسلوبه المباشر المعهود، وصف ترشيح المالكي بأنه “خيار سيئ للغاية” وحذر من أن عودته ستعني توقف المساعدات الأمريكية فورًا، متهمًا إياه بإغراق العراق في الفقر والتبعية.
هذا الهجوم العلني نقل الصراع من الغرف الدبلوماسية المغلقة إلى الفضاء العام، مما أحدث إرباكًا في كواليس تشكيل الحكومة، حيث بدأت بعض القوى داخل الإطار التنسيقي تخشى من التبعات الكارثية لهذا الصدام، بينما رأى آخرون أن الرضوخ لتغريدة أمريكية يمثل إهانة للسيادة العراقية واعترافًا بتبعية القرار السياسي للخارج.
المالكي بين التمسك بالحق الدستوري وورقة السيادة
في مواجهة هذه العاصفة، انتهج نوري المالكي استراتيجية مناورة مزدوجة تهدف إلى امتصاص الضغط دون إعلان الهزيمة، في خطابه الأول بعد التهديد، رفع المالكي شعار “السيادة الوطنية”، معتبرًا أن انسحابه تحت الضغط الأمريكي سيمثل سابقة خطيرة تجعل واشنطن هي من تعين حكام العراق.
هذه المناورة تهدف إلى إحراج خصومه وحلفائه على حد سواء، واضعًا إياهم أمام خيار الدفاع عن استقلال القرار العراقي أو التماهي مع الإملاءات الخارجية.
ومن ناحية أخرى، أظهر المالكي مرونة تكتيكية حين أعلن أنه “مستعد للتنازل” إذا قرر الإطار التنسيقي ذلك، وهي خطوة ذكية لرمي الكرة في ملعب حلفائه، وضمان ألا يبدو بمظهر “المتشبث بالسلطة” أمام الجماهير التي تخشى العقوبات الاقتصادية.
سلاح الدولار يحاصر البنك المركزي
بعيدًا عن الخطابات السياسية، كانت الضغوط الأمريكية تحت الطاولة أكثر قسوة، حيث تركزت على العصب المالي للعراق.
تقارير مسربة أشارت إلى أن واشنطن وجهت تحذيرات مباشرة لمحافظ البنك المركزي العراقي، مفادها أن تدفقات الدولار وعائدات النفط المودعة في البنك الفيدرالي الأمريكي قد تتوقف في حال تسلمت شخصية مرفوضة أمريكياً دفة الحكم.
هذا النوع من “الضغط الخشن” وضع القوى السياسية السنية والكردية، وحتى بعض أطراف الإطار التنسيقي، في حالة ذعر من انهيار العملة الوطنية. المالكي، من جانبه، حاول التقليل من شأن هذه المخاوف بالقول إن مؤسسات الولايات المتحدة “تضبطها القوانين لا التغريدات”، لكنه يدرك تمامًا أن إدارة ترمب مستعدة لاستخدام “سلاح الدولار” كأداة تغيير سياسي قسرية كما فعلت مع دول أخرى.
هل يصبح المالكي “ضحية” الصفقات الكبرى؟
يتصاعد الجدل داخل أروقة الإطار التنسيقي حول الجدوى من الإصرار على ترشيح المالكي في ظل هذا العداء الأمريكي الصريح وبينما ما يزال “ائتلاف دولة القانون” متمسكًا بزعيمه، تبرز أصوات تدعو للبحث عن “مرشح تسوية” أو ما يعرف بالخطوط الثانية، لتجنب صدام مباشر مع إدارة ترمب التي يبدو أنها قررت جعل العراق ساحة لتصفية الحسابات مع طهران.
المناورة الحالية قد تنتهي بصفقة “خروج آمن” للمالكي، تضمن له الحفاظ على نفوذه السياسي مقابل اختيار شخصية مقربة منه تحظى بقبول دولي، أو على الأقل لا تثير غضب البيت الأبيض.
إن نجاح المالكي في الإفلات من هذه الكماشة يعتمد على قدرته على إقناع الحلفاء بأن ثمن التخلي عنه سيكون أكبر من ثمن العقوبات، وهو رهان محفوف بالمخاطر في ظل واقع اقتصادي عراقي هش.
إن الصراع بين ترامب والمالكي في عام 2026 هو تجسيد لعودة سياسة “الاحتواء الخشن” التي تنتهجها واشنطن تجاه حلفاء طهران في بغداد.
وبينما يستمر المالكي في المناورة عبر استخدام أوراق السيادة والمؤسسات الدستورية، تظل الحقيقة الميدانية تشير إلى أن العراق ما يزال مرتبطًا بوشائج اقتصادية وأمنية وثيقة مع الولايات المتحدة تجعل من الصعب عليه المضي في مسار ترفضه الإدارة الأمريكية علنًا، والأيام القادمة ستكشف ما إذا كان المالكي سينجح في ترويض العاصفة عبر “بديل مطيع” أو “تسوية ذكية”، أم أن فيتو ترمب سيكون المسمار الأخير في نعش طموحاته للعودة إلى سدة الحكم، ليبقى العراق عالقًا في المعادلة الصعبة بين الرغبات الإقليمية والإملاءات الدولية.

