في خطوة استراتيجية تهدف إلى تصفية ملفات الإرهاب العالقة وإنهاء مخاطر السجون غير المستقرة في شمال شرق سوريا، أعلن العراق رسميًا في فبراير 2026 عن تسلم دفعة ضخمة تضم 2250 عنصرًا إرهابيًا كانوا محتجزين في الأراضي السورية.
وتأتي هذه العملية ثمرة تنسيق استخباراتي رفيع المستوى وجهود دبلوماسية مكثفة لضمان نقل هؤلاء المطلوبين الذين يشكلون تهديدًا مستمرًا للأمن القومي.
وقد تمت عملية النقل عبر ممرات حدودية مؤمنة وبإشراف مباشر من قيادة العمليات المشتركة والأجهزة الاستخباراتية العراقية، حيث تم إيداع المستلمين في مراكز احتجاز قصوى التأمين تمهيدًا لبدء مرحلة التحقيق والفرز.
إن هذه الخطوة تمثل تحولاً كبيرًا في سياسة بغداد الرامية إلى استعادة كافة مواطنيها المتورطين مع التنظيمات الإرهابية في الخارج لمحاكمتهم وفق القانون العراقي، وإغلاق الثغرات التي كانت تسمح للإرهابيين بالهروب أو إعادة تنظيم صفوفهم داخل قفصالمخيمات والسجون السورية المتهالكة.
نظام تصنيف الخطورة
بمجرد وصول الدفعة التي أطلق عليها الإعلام “العائدون من الجحيم”، شرعت الأجهزة الأمنية العراقية في تطبيق نظام “تصنيف وفق الخطورة” الدقيق، وهو بروتوكول أمني متطور يهدف إلى توزيع الإرهابيين إلى فئات متعددة بناءً على سجلاتهم الإجرامية ومناصبهم داخل الهيكل التنظيمي لداعش.
يتم تصنيف هؤلاء العناصر إلى “الفئة الأولى” التي تضم القادة الميدانيين والمخططين والمنظرين، و”الفئة الثانية” التي تشمل المقاتلين المنخرطين في عمليات القتل المباشر، وصولاً إلى “الفئة الثالثة” المخصصة للعناصر اللوجستية والمنقادين.
هذا التصنيف ليس إجراءً إداريًا فحسب، بل هو أداة استخباراتية حاسمة تساعد القضاء في تحديد سقف العقوبات، كما تساهم في عزل العناصر الأكثر تطرفًا لمنعهم من ممارسة التأثير الفكري على السجناء الآخرين، وهو تحدٍ كبير يسعى العراق من خلاله لتجنب تحويل السجون إلى “أكاديميات للتطرف” كما حدث في سنوات سابقة.
القضاء العراقي أمام المحك
يواجه القضاء العراقي اليوم التحدي الأصعب في كيفية التعامل مع ملف الـ 2250 إرهابيًا، حيث يتراوح الموقف بين ضرورة تحقيق العدالة الناجزة والقصاص لدماء الضحايا، وبين الالتزام بالمعايير الدولية للمحاكمات العادلة التي تضمن حقوق المتهمين وتمنع الطعون المستقبلية.
إن التعامل مع “العائدين من الجحيم” يتطلب جهدًا قضائيًا جبارًا لجمع الأدلة وتوثيق الجرائم التي ارتكبها هؤلاء العناصر خارج الحدود، وتحديداً في المناطق السورية التي كانوا ينشطون فيها.
ويسعى القضاة العراقيون إلى الاستفادة من قاعدة البيانات الضخمة التي وفرتها الأجهزة الاستخباراتية واعترافات المعتقلين السابقين لضمان عدم إفلات أي مجرم من العقاب.
وفي ظل المخاوف الأمنية من احتمالية وجود خلايا نائمة تنتظر عودة هؤلاء القادة، يعمل القضاء بتنسيق وثيق مع الأمن الوطني لضمان أن تكون هذه المحاكمات وسيلة لتفكيك ما تبقى من تنظيم داعش، وليس مجرد إجراءات روتينية تنتهي بصدور أحكام قد لا تتناسب مع حجم الجرائم المرتكبة.
المخاوف الأمنية وتحدي “الذئاب المنفردة” والخلايا النائمة
رغم النجاح في استعادة هذا العدد الكبير من الإرهابيين، إلا أن الشارع العراقي لا يخلو من مخاوف أمنية جدية تتعلق بمدى قدرة المنظومة السجنية على استيعاب هذه الأعداد وتأمينها بشكل كامل.
ويحذر خبراء أمنيون من أن استعادة 2250 إرهابيًا قد تحفز الخلايا النائمة في المناطق المحررة للقيام بعمليات يائسة تهدف إلى لفت الأنظار أو محاولة اختراق المنظومة الأمنية لذلك، تزامنت عملية التسلم مع “استنفار أمني” في المحافظات الحدودية والمناطق التي كانت معاقل سابقة للتنظيم، حيث تم تحديث قوائم المطلوبين وبدء حملات استباقية لقطع الطريق أمام أي تحرك محتمل.
إن الهاجس الأمني يكمن أيضًا في الفكر المتطرف الذي يحمله هؤلاء العائدون، وهو ما يفرض على الدولة العراقية تبني برامج “إصلاح فكري” ومناصحة بجانب الإجراءات العقابية، لضمان عدم تحول هذه الكتلة البشرية إلى قنبلة موقوتة تهدد السلم الأهلي في المستقبل البعيد.
إنهاء كابوس سجون “قسد” وتعزيز السيادة الوطنية العراقية
تعتبر استعادة هؤلاء المطلوبين انتصارًا للدبلوماسية الأمنية العراقية وسيادتها على ملف مواطنيها في الخارج؛ فبقاء آلاف العراقيين في سجون تديرها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كان يمثل ثغرة أمنية وقانونية كبيرة، حيث كانت تلك السجون عرضة للهجمات المتكررة وعمليات التهريب المنظمة.
وبنقل هؤلاء إلى الأراضي العراقية، تفرض بغداد سيطرتها الكاملة على مصيرهم وتنهي حالة الابتزاز السياسي التي قد تمارسها بعض الأطراف الدولية باستخدام ملف “مقاتلي داعش”.
إن التنسيق العراقي السوري في هذا الملف يبعث برسالة قوية بأن التعاون الإقليمي هو السبيل الوحيد لتجفيف منابع الإرهاب وتأمين الحدود.
ومع استمرار التحقيقات مع الـ 2250 إرهابيًا، يتوقع أن تنكشف خيوط جديدة لعمليات تمويل خارجية ومخططات كانت تستهدف أمن المنطقة، مما يعزز من مكانة العراق كلاعب محوري في الحرب الدولية ضد الإرهاب وتثبيت دعائم الاستقرار في الشرق الأوسط لعام 2026 وما بعده.

