دخل العراق مرحلةً حرجةً من تاريخه السياسي الحديث، حيث يتصدر مشهد تشكيل الحكومة الجديدة واجهة الأحداث العالمية، ليس بوصفه شأنًا داخليًا فحسب، بل باعتباره ساحةً مفتوحةً لتصفية الحسابات الجيوسياسية بين القوى الكبرى والإقليمية.
إن إعلان الإطار التنسيقي، الكتلة الشيعية الأكبر في البرلمان المنبثق عن انتخابات نوفمبر 2025، ترشيحَ نوري المالكي لرئاسة الوزراء، لم يكن مجرد خطوة إجرائية، بل فجّر شرارة «صدام إرادات» دولي بدأت ملامحه تتشكل مع الرفض الأمريكي القاطع والعلني لهذا الخيار.
هذا الاستقطاب الحاد وضع الدولة العراقية أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما المضي قدمًا في خيارات داخلية قد تؤدي إلى عزلة دولية واقتصادية، أو البحث عن مخرج توافقي يرضي الأطراف الخارجية المتصارعة، مما يجعل السيناريوهات القادمة رهينةً بقدرة الساسة العراقيين على المناورة في حقل من الألغام الدبلوماسية والميدانية.
«فيتو» واشنطن وتهديد الاستقرار المالي
يمثل الموقف الصارم الذي اتخذته الإدارة الأمريكية في فبراير 2026 حجر الزاوية في تحديد مسارات الأزمة الراهنة، حيث لوّحت واشنطن باستخدام «كل الأدوات المتاحة»، بما في ذلك وقف المساعدات المالية وفرض قيود على تدفق الدولار من البنك الفيدرالي الأمريكي، في حال تولّى نوري المالكي رئاسة الحكومة.
وترى مصادر أن هذا «الفيتو» ليس موجّهًا ضد شخص المالكي بقدر ما هو رسالة واضحة لمنع عودة نفوذ إقليمي معيّن، وتثبيت معادلة شراكة أمنية واقتصادية لا تسمح بوجود وجوه تعتبرها واشنطن معادية لمصالحها.
هذا الضغط الاقتصادي يمثل السيناريو الأكثر رعبًا للنخبة السياسية في بغداد، كون الاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على مبيعات النفط المسعّرة بالدولار والمودَعة في حسابات تخضع للرقابة الأمريكية، مما يجعل التصلب في مواجهة «الإرادة الدولية» مخاطرةً قد تؤدي إلى انهيار العملة المحلية وانفجار الشارع العراقي، الذي لا يزال يترقب تحسّن الأوضاع المعيشية.
انقسام «الإطار التنسيقي»
داخليًا، أحدث ترشيح المالكي، والضغوط الدولية التي تلته، حالةً من الإرباك الواضح داخل أروقة الإطار التنسيقي، حيث بدأت تبرز بوادر انقسام بين تيار يرى ضرورة التمسك بـ«السيادة الوطنية» ورفض الإملاءات الخارجية، وتيار آخر براغماتي يخشى تكرار سيناريوهات العزلة الدولية.
هذا الانقسام يفتح الباب أمام السيناريو الثاني، وهو البحث عن «مرشح تسوية» يكون مقبولًا من المجتمع الدولي، ويمتلك في الوقت نفسه قاعدة دعم داخلية متينة.
وفي هذا السياق، تبرز أسماء مثل محمد شياع السوداني خيارًا للتجديد له، أو شخصيات تكنوقراطية قادرة على تحييد العراق عن صراع المحاور. إن قدرة الإطار التنسيقي على الحفاظ على تماسكه الداخلي في ظل هذه الضغوط ستكون الاختبار الحقيقي لمدى نضج التجربة السياسية في 2026، خاصةً أن أي تفكك في هذه الكتلة سيعيد خلط الأوراق البرلمانية ويفتح الباب أمام تحالفات عابرة للمكونات قد تُقصي أطرافًا كانت تعتبر نفسها صانعةً للملوك.
ومع ذلك، يواجه هذا المسار عقبةَ القوانين الانتخابية وتوازنات المقاعد التي أفرزتها نتائج نوفمبر 2025، مما يجعل أي تحرك في هذا الاتجاه يتطلب صفقات سياسية كبرى تتجاوز المحاصصة التقليدية نحو رؤية استراتيجية شاملة للدولة.
يظهر جليًا أن العراق في فبراير 2026 يعيش مخاضًا عسيرًا تتداخل فيه الطموحات الشخصية مع الثوابت الوطنية والضغوط الدولية، ولن يكون بمقدور أي طرف فرض إرادته منفردًا دون دفع أثمان باهظة.

