ذات صلة

جمع

غياب أوروبي عن مساعي التهدئة بين واشنطن وطهران

تتواصل التحركات الدولية لاحتواء التوترات بين الولايات المتحدة وإيران،...

بين المنهج والبنادق.. كيف يُوظف الحوثيون مؤسسات الدولة لنشر فكرهم الطائفي؟

منذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة اليمنية صنعاء، لم...

شبح الإرهاب.. هل تنجح تونس في تحصين شبابها من “الاستقطاب الأسود”؟

لطالما عُرفت تونس بأنها منارة للاعتدال والانفتاح في المنطقة...

حرب المدن والاستنزاف.. ماذا يعني تقدم روسيا جنوب شرقي أوكرانيا؟

في تطور ميداني يحمل دلالات استراتيجية عميقة، أعلنت وزارة...

ليبيا ما بعد سيف الإسلام.. هل تندفع البلاد نحو جولة جديدة من الصراع الوجودي؟

استيقظ الشارع الليبي والمجتمع الدولي على أنباء صادمة هزت...

جوع ونزوح ودماء.. كيف أدّت سياسات البرهان إلى تعميق المأساة السودانية؟

يدخل السودان عامه الثالث من الصراع الدامي وسط حالة من الانهيار الشامل التي طالت مفاصل الحياة كافة، حيث باتت البلاد مسرحًا لأكبر مأساة إنسانية شهدها القرن الحادي والعشرون بسبب سياسات الفريق أول عبدالفتاح البرهان.

وقالت مصادر إن هذا المشهد المأساوي الذي يجمع بين الجوع والنزوح وسفك الدماء، لم يكن صدفة أو نتاجًا لظروف طبيعية، بل يراه الكثير من المصادر نتيجة حتمية لسلسلة من السياسات والقرارات التي اتخذتها القيادة العسكرية برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان منذ انقلاب أكتوبر 2021 وما تلاه من اندلاع المواجهات المسلحة في أبريل 2023، دخل السودان في دوامة من العنف المفرط الذي أدى إلى تآكل مؤسسات الدولة وتحويل المدن الآمنة إلى ساحات حرب مفتوحة.

الانسداد السياسي وقرارات الانفراد بالسلطة.. جذور الأزمة الراهنة

وأوضحت المصادر أن سياسة “الأمر الواقع” التي انتهجها البرهان أدت إلى فقدان السودان لزخم الدعم الدولي وبرامج إعفاء الديون، مما انعكس مباشرة على معيشة المواطن البسيط وبدلاً من الاتجاه نحو حلول سياسية شاملة تضمن الانتقال الديمقراطي، تم تفضيل خيار التصعيد العسكري لحسم الصراعات الداخلية، وهو ما فتح أبواب الجحيم على مصراعيها.

واقع النزوح واللجوء.. ملايين السودانيين في رحلة التيه والضياع

تعتبر أزمة النزوح في السودان اليوم هي الأكبر عالمياً، حيث أجبرت الحرب والانتهاكات المتواصلة أكثر من 12 مليون شخص على ترك منازلهم والفرار نحو المجهول.

إن سياسات إدارة الأزمة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش لم تنجح في توفير الحد الأدنى من الحماية أو المأوى لهؤلاء النازحين، بل إن التقارير الحقوقية تشير إلى وقوع انتهاكات جسيمة شملت القصف العشوائي للمناطق السكنية والاعتقالات التعسفية.

ويعيش النازحون في مراكز إيواء تفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة، بينما يواجه اللاجئون في دول الجوار ظروفاً قاسية وتجاهلًا دوليًا متزايدًا و إن فقدان السودانيين لممتلكاتهم ومدخراتهم وتحولهم إلى مشردين داخل وطنهم هو وصمة عار في جبين السلطة التي فشلت في ممارسة دورها الأساسي المتمثل في حماية المواطنين وتأمين مساكنهم، مما خلق جيلًا كاملًا من السودانيين الذين لا يملكون وطنًا يأويهم.

شبح المجاعة الممنهجة.. عندما يصبح الغذاء سلاحاً في يد القادة

في عام 2026، لم يعد الجوع في السودان مجرد نقص في المحاصيل، بل تحول إلى “سلاح حرب” يُستخدم لتطويع المدن والمناطق الرافضة للسياسات العسكرية.

تشير إحصاءات المنظمات الدولية إلى أن أكثر من نصف سكان السودان يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع وجود بؤر حقيقية للمجاعة في إقليم دارفور وكردفان وأجزاء من الخرطوم.

إن تعنت السلطات في تسهيل وصول المساعدات الإنسانية عبر الحدود، وفرض قيود بيروقراطية وعسكرية على المنظمات الإغاثية، قد ضاعف من فاتورة الموت جوعًا.

كما أن سياسات البرهان في إدارة الموارد المتاحة وتوجيهها نحو المجهود العسكري على حساب القطاع الزراعي والتمويني، أدت إلى انهيار كامل في سلاسل الإمداد وارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية، مما جعل الحصول على رغيف الخبز حلمًا بعيد المنال لملايين الأسر التي باتت تقتات على أوراق الأشجار وما تبقى من فتات المساعدات.

انهيار المنظومة الصحية والانتهاكات الحقوقية.. حياة الإنسان في الميزان

لقد شهد القطاع الصحي في السودان دمارًا شبه كامل نتيجة استهداف المستشفيات وتحويلها إلى ثكنات عسكرية أو تدميرها بالقصف المباشر، مما أدى إلى خروج أكثر من 80% من المرافق الطبية عن الخدمة وإن السياسات العسكرية التي لم تراعِ حرمة المنشآت الحيوية وضعت حياة المرضى والمصابين في خطر دائم، حيث يتوفى المئات يوميًا بسبب أمراض بسيطة أو نقص في الأدوية المنقذة للحياة مثل الأنسولين ومحاليل غسيل الكلى.

وبالتوازي مع هذا الانهيار، تتصاعد وتيرة الانتهاكات الحقوقية من قتل خارج نطاق القانون واغتصاب واختطاف، وسط غياب تام لآليات المحاسبة والعدالة.

إن إصرار البرهان على المضي قدماً في الخيار العسكري دون وجود ضمانات لحماية المدنيين، يجعل السلطة شريكة، سواء بالفعل أو بالإهمال، في كل قطرة دم تُسفك وفي كل روح تزهق نتيجة غياب الدولة وفقدان الأمن الشخصي للمواطن.

السودان بين خيار الحل الجذري أو الانهيار النهائي

إن استمرار الوضع الراهن في السودان تحت قيادة الفريق البرهان ينذر بكارثة لن تقف حدودها عند البحر الأحمر أو الجيران الأفارقة، بل ستعصف بأمن المنطقة بأكملها وإن العبرة ليست في التمسك بالشعارات الوطنية أو تبرير الفشل بمؤامرات خارجية، بل في القدرة على اتخاذ قرارات شجاعة توقف آلة الحرب فورًا وتفتح المسار أمام حكومة مدنية حقيقية تنقذ ما يمكن إنقاذه وإن السودان يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تغليب مصلحة الشعب على مصالح البرهان، وإلى اعتراف صريح بالمسؤولية عن هذه الدماء والدموع. بدون تغيير جذري في العقلية التي تدير الأزمة، سيبقى السودان غارقًا في بحور الجوع والنزوح، وسيسجل التاريخ أن سياسات الانفراد بالسلطة كانت هي المعول الذي هدم أحلام السودانيين في دولة الحرية والسلام والعدالة.