مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الرابع، تتجه أنظار العالم نحو العاصمة الإماراتية أبوظبي، التي باتت تستضيف جولات ماراثونية من المفاوضات الثلاثية بمشاركة الولايات المتحدة، في محاولة هي الأكثر جدية منذ اندلاع الصراع لتحويل “جبهات القتال” إلى “حدود سياسية” مستقرة.
إن هذا التحول الدراماتيكي في لغة الدبلوماسية الدولية يعكس إدراكاً متزايداً بأن الحسم العسكري المطلق بات بعيد المنال لكلا الطرفين، حيث تحولت المدن الكبرى في الدونباس إلى ساحات لاستنزاف الموارد البشرية والمادية دون تغييرات جوهرية في خارطة السيطرة منذ أواخر عام 2025.
وتكثف الوساطات الدولية، المدفوعة برؤية أمريكية جديدة تحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ضغوطها على كييف وموسكو للقبول بـ “واقعية جغرافية” مؤلمة، تقوم على تجميد النزاع عند خطوط التماس الحالية، وهو ما يطرح تساؤلاً جوهريًا حول قدرة الدبلوماسية على شرعنة الأمر الواقع دون الانزلاق نحو جولة جديدة من المواجهة التي قد تعصف بأمن القارة الأوروبية بأكملها.
عقدة الأرض والسيادة
تظل منطقة الدونباس هي “العقدة الكأداء” في أي اتفاق سلام مرتقب، حيث تصر موسكو في مطلع عام 2026 على أن السيطرة على كامل أقاليم دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا هي شرط مسبق لوقف إطلاق النار، معتبرة إياها أراضٍ روسية بموجب تعديلاتها الدستورية.
في المقابل، يجد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نفسه في مأزق تاريخي بين رغبته في إنقاذ ما تبقى من أوكرانيا وضمان أمنها، وبين الضغوط الشعبية والسياسية التي ترفض أي تنازل رسمي عن شبر واحد من الأراضي التي ضحى الآلاف من أجلها.
إن الوساطات الدولية تحاول صياغة مخرج قانوني “رمادي” يضمن وقف القتال وتحويل الجبهات إلى “خطوط فاصة” تخضع لمراقبة دولية، دون اعتراف أوكراني صريح بالسيادة الروسية عليها، وهو ما يشبه “نموذج الكوريتين” الذي يمنح الطرفين وقتًا لإعادة الإعمار والتقاط الأنفاس، لكنه يترك جرح الحدود مفتوحًا على كافة الاحتمالات المستقبلية، مما يجعل من الدونباس فتيل انفجار مؤجل قد يشتعل في أي لحظة.
الدور الأمريكي المتجدد
تلعب الإدارة الأمريكية في عام 2026 دورًا محوريًا في رسم ملامح “حدود السلام” الجديدة، حيث برزت مقترحات “خارطة طريق فلوريدا” التي وُضعت في ديسمبر 2025 كإطار عملي لإنهاء الصراع.
وتعتمد هذه الرؤية على مقايضة قاسية: القبول الروسي بضمانات أمنية أمريكية “حديدية” لأوكرانيا مقابل اعتراف “دي فاكتو” (واقعي) بالسيطرة الروسية على الأراضي الحالية.
وتناقش كواليس مفاوضات أبوظبي إمكانية إنشاء منطقة منزوعة السلاح بعمق 20 كيلومترًا على طول خط الجبهة، تشرف عليها قوات من دول “محايدة” أو من خارج الناتو والاتحاد الروسي، لضمان عدم خرق الهدنة.
إن نجاح هذه الوساطات يعتمد بشكل أساسي على مدى جدية واشنطن في توفير “غطاء أمني” لكييف يمنع تكرار الغزو مستقبلاً، وهو الملف الذي ما يزال يشهد خلافًا عميقًا مع موسكو التي ترى في أي وجود عسكري غربي، ولو تحت مسمى الضمانات، تهديداً مباشرًا لأمنها القومي وطموحاتها الجيوسياسية في “أوراسيا العظمى”.
واقعية الميدان مقابل طموحات السياسة
تشير المعطيات الميدانية في يناير 2026 إلى أن القوات الروسية أحكمت سيطرتها على نحو 20% من مساحة أوكرانيا، بينما نجحت أوكرانيا في تحويل العمق الروسي إلى ساحة لهجمات المسيرات المستمرة، مما خلق حالة من “الجمود القاتل”.
إن القبول الدولي بـ “جغرافيا القوة” كبديل عن “جغرافيا القانون” يمثل تحولاً خطيراً في النظام العالمي، حيث يعني نجاح الوساطات في تحويل الجبهات إلى حدود سياسية ولادة نظام دولي جديد يعترف بالقدرات العسكرية كأداة لرسم الحدود، وهو ما يثير مخاوف الدول الأوروبية الصغيرة التي ترى في هذا الاتفاق سابقة قد تغري قوى أخرى لتكرار السيناريو نفسه في مناطق نزاع مختلفة حول العالم.
المستقبل القريب
يبدو أن عام 2026 هو العام الذي سيحدد ما إذا كانت الوساطات الدولية ستحقق اختراقًا تاريخيًا أم أن الحرب ستستمر كجرح نازف في خاصرة العالم.
إن تحويل جبهات القتال إلى حدود سياسية يتطلب تنازلات “انتحارية” من الطرفين؛ فموسكو يجب أن تتخلى عن طموح السيطرة الكاملة على كييف، وأوكرانيا يجب أن تقبل بخسارة مؤلمة لأراضيها الشرقية والجنوبية في مقابل البقاء والسيادة على ما تبقى.
إن النجاح في هذا المسار سيعني بالضرورة “سلامًا مرًا” لا يرضي أحدًا بشكل كامل، لكنه يوقف نزيف الدماء ويفتح الباب أمام أكبر عملية إعادة إعمار في التاريخ الحديث.
وسيبقى الاختبار الحقيقي لهذه الوساطات هو القدرة على تحويل “وقف إطلاق النار” الهش إلى “حدود سياسية” معترف بها دوليًا تضمن عدم عودة المدافع للحديث مجددًا، لكي لا تتحول الجبهات الحالية إلى مجرد محطات استراحة لمحاربي المستقبل في صراع لا يبدو أن له نهاية قريبة في ظل غياب الثقة المتبادلة.

