دخلت الأزمة المالية اللبنانية منعطفًا خطيرًا وتاريخيًا عقب تجدد السجال حول مصير احتياطي الذهب، الذي يُعد “المقدس الأخير” في الذاكرة الاقتصادية للبنانيين.
حيث أشعل منشور لوزير لبناني عاصفة من الجدل الشعبي والسياسي بعد مطالبته الصريحة بضرورة “حجز ثروات المصرفيين” الشخصية كضمانة أولى قبل التفكير في المساس بذهب الدولة.
وتأتي هذه المواجهة الكبرى في وقت يعاني فيه المودعون من ضياع جنى أعمارهم، بينما تتقاذف القوى السياسية والمصرفية المسؤولية عن الانهيار.
إن الدعوة لحجز أموال أصحاب المصارف لا تأتي فقط من منطلق انتقامي، بل تندرج ضمن رؤية اقتصادية ترى أن المسؤولية عن الفجوة المالية يجب أن تبدأ من الذين أداروا اللعبة المالية وحققوا أرباحًا طائلة على مدار عقود، وليس عبر تبديد ما تبقى من أصول استراتيجية للدولة اللبنانية التي يمثل الذهب ركيزتها الأساسية في أي عملية نهوض مستقبلي.
مطالب بحجز الثروات بدلاً من تبديد الذهب
وأثار المنشور الوزاري الأخير تساؤلات حادة حول الأولويات الوطنية في إدارة الأزمة، حيث اعتبر الوزير أن أي حديث عن استخدام الذهب لسداد الالتزامات المالية أو سد عجز المصارف هو “خيانة وطنية” طالما أن أصحاب المصارف ومجالس إداراتها لم يسددوا فلسًا واحدًا من ثرواتهم الخاصة التي تم تحويلها للخارج.
إن هذا الطرح يعتمد على مبدأ “المسؤولية المحدودة” التي يحاول المصرفيون التستر خلفها، بينما يطالب الشارع والوزير بكسر هذه الحماية القانونية وتحميلهم المسؤولية الشخصية عن الخسائر.
وترى مصادر، أن الضغط الشعبي المتزايد لحجز أموال المصرفيين يهدف إلى خلق توازن قوى جديد يمنع السلطة من “رهن الذهب” مقابل ديون وهمية، ويؤكد أن ثروات المودعين يجب أن تُسترد من الحسابات الشخصية لمن أداروا المصارف، وليس عبر تصفية أصول الدولة التي تعود ملكيتها للشعب اللبناني بأسره.
الذهب اللبناني.. الضمانة الأخيرة في مهب الريح السياسية والمصرفية
يحتل لبنان المرتبة الثانية عربيًا والـ 20 عالميًا من حيث احتياطي الذهب، وهو ما يجعله مطمعًا للقوى المالية التي تسعى لتسييله لسد الفجوة المالية المقدرة بمليارات الدولارات، ومع ذلك، فإن قانون “منع التصرف بالذهب” الصادر عام 1986 يقف حجر عثرة أمام هذه المحاولات، لكن العاصفة الأخيرة كشفت عن وجود ضغوط سرية لتعديل هذا القانون تحت مسميات “الاستثمار” أو “الرهن”.
وهنا تبرز أهمية المقترح القاضي بحجز أموال المصرفيين؛ فإذا كان الهدف هو تأمين السيولة، فلماذا لا يتم البدء بالأموال المهربة والثروات الشخصية التي تكدست عبر فوائد الهندسات المالية؟ وإن حماية الذهب من الضياع تتطلب إرادة سياسية ترفض الانصياع لكارتيل المصارف، وتتجه بدلاً من ذلك نحو تفعيل القوانين التي تلاحق الأموال غير المشروعة وتحجز على الأصول الخاصة للمتسببين في الأزمة، لضمان بقاء الذهب كغطاء نقدي وحيد يضمن كرامة الدولة المالية في المستقبل.
المواجهة القانونية
من الناحية القانونية، تبدو معركة حجز أموال المصرفيين معقدة ولكنها ليست مستحيلة، حيث يرى قانونيون أن “جرم تبديد الودائع” يتيح للقضاء وضع اليد على الأموال الشخصية لأعضاء مجالس الإدارة إذا ثبت وجود إهمال جسيم أو تحويلات استنسابية، وإن منشور الوزير أعطى دفعة معنوية للقضاء للتحرك في هذا الاتجاه، معتبرًا أن حماية الذهب تمر حتمًا عبر “المقاصة” من ثروات المصرفيين، وبدأت بعض الجمعيات الحقوقية والمودعين في تحريك دعاوى قضائية تطالب برفع السرية المصرفية عن حسابات أصحاب المصارف وعائلاتهم، وهو ما يراه المصرفيون “تعديًا على الملكية الخاصة”، بينما يراه المودعون “استردادًا للملكية العامة والخاصة المنهوبة”، إن هذه المواجهة القضائية ستحدد مسار الأزمة في المرحلة القادمة، فإما أن ينتصر منطق حماية “الذهب والناس”، أو ينجح كارتيل المال في حماية ثرواته الشخصية وترك الدولة تواجه مصيرها بلا غطاء ذهبي.
الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لعاصفة ذهب لبنان
لا تقتصر تداعيات هذا الجدل على الجانب المالي فقط، بل تمتد لتشمل الاستقرار الاجتماعي، حيث أن المساس بالذهب قد يؤدي إلى انهيار كامل فيما تبقى من ثقة بالليرة اللبنانية، مما سيزيد من حدة التضخم والفقر.
وإن مقترح حجز أموال المصرفيين يمثل “صمام أمان” اجتماعي، لأنه يوجه الغضب الشعبي نحو الجهة الصحيحة ويمنع الانفجار الكبير الذي قد يحدث إذا شعر الناس أن دولتهم تبيع ذهبها لحماية حسابات الأقلية المالية، وبنيويًا، فإن الاقتصاد اللبناني لا يمكنه النهوض من دون الذهب، لأن أي خطة تعافٍ مستقبلية ستعتمد على الذهب كضمانة لإصدار عملة جديدة أو للاقتراض بشروط ميسرة، لذا فإن معركة الوزير ومن خلفه المودعون هي معركة وجودية تهدف لإنقاذ ما تبقى من “سيادة مالية” ومنع تحول لبنان إلى دولة مفلسة تمامًا بلا أصول وبلا احتياطيات.
وستبقى المواجهة الكبرى مستمرة طالما أن هناك محاولات لتهريب المسؤولية، إن حماية ذهب لبنان من الضياع تمر عبر بوابة القضاء الجريء الذي يجرؤ على ملاحقة الحسابات المحمية بالسياسة، وإذا نجحت هذه المعادلة، فقد يشهد لبنان بداية حقيقية للتعافي القائم على العدالة والمحاسبة.
أما إذا ضاع الذهب في دهاليز المصارف، فإن لبنان سيفقد آخر أوراقه القوية في لعبة الأمم الاقتصادية، ليبقى المودعون وحدهم في مواجهة المجهول.

