ذات صلة

جمع

معركة البندقية الواحدة.. هل يمهد لبنان الأرضية لتسوية كبرى برعاية دولية؟

يواجه لبنان في المرحلة الراهنة واحدًا من أدق المنعطفات...

صراع الإرادات.. كيف تُترجم شعارات الغضب إلى برامج عمل سيادي بتونس؟

يمر المشهد التونسي بمرحلة مخاض عسيرة تتجاوز في أبعادها...

الانشقاقات الداخلية تمزق حلفاء الجيش.. كيف سيطر “الإخوان” على مفاصل القرار في القيادات السودانية؟

تشهد الساحة السياسية السودانية، وتحديداً داخل أروقة الحركات المسلحة...

عزل مناوي وقطع الإمدادات.. كيف تدير عقلية المجموعات قرارات العزل والتعيين؟

تعيش السلطة القائمة في السودان اليوم حالة من التآكل...

معركة البندقية الواحدة.. هل يمهد لبنان الأرضية لتسوية كبرى برعاية دولية؟

يواجه لبنان في المرحلة الراهنة واحدًا من أدق المنعطفات التاريخية التي مست جوهر كيانه السياسي والسيادي، حيث عاد ملف “حصر السلاح بيد الدولة” ليتصدر المشهد ليس كشعار سياسي عابر، بل كإعلان صريح عن توجه حكومي جاد يرفض التراجع عن منطق الدولة القوية.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات رئيس وزراء لبنان لتضع النقاط على الحروف، مؤكدة أن الحكومة لن تتراجع عن موقفها بحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية فقط، وهو موقف يحمل في طياته دلالات استراتيجية تتجاوز التوازنات الداخلية اللبنانية لتصل إلى عمق الحسابات الإقليمية والدولية.

إن الحديث عن “البندقية الواحدة” ليس مجرد إعادة ترتيب للأولويات الأمنية، بل هو محاولة لترميم الهيبة الوطنية المفقودة وفتح الباب أمام تسوية كبرى برعاية دولية تهدف إلى إخراج لبنان من نفق الأزمات المظلم الذي حُصر فيه لعقود نتيجة تعدد مراكز القوة العسكرية وتضارب المرجعيات السيادية.

تحول استراتيجي

لقد اعتمدت الحكومات اللبنانية المتعاقبة لسنوات طويلة صيغة “التعايش” مع السلاح خارج إطار الدولة تحت مسميات وتفاهمات فرضتها الظروف الميدانية، إلا أن خطاب رئيس الوزراء الحالي يعكس تحولاً جذرياً في هذه المقاربة.

فالإصرار على أن السلاح يجب أن يكون حصرًا بيد الدولة يعني نهاية حقبة “الازدواجية العسكرية” التي أضعفت موقف لبنان في المحافل الدولية وجعلته ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

هذا التحول لا يأتي من فراغ، بل هو استجابة لضغوط داخلية متزايدة تطالب بعودة الدولة كراعٍ وحيد للأمن، واستجابة لمناخ دولي لم يعد يقبل بأنصاف الحلول في الملف اللبناني.

إن الحكومة اليوم تدرك أن استعادة الثقة الدولية والنهوض بالاقتصاد المنهار يبدآن من حسم ملف السيادة، وهو ما جعل من “حصرية السلاح” المطلب الأول والمفتاح الأساسي لأي خطة تعافٍ حقيقية.

البعد الدولي والتسوية الكبرى

ترى مصادر أن إصرار الحكومة اللبنانية على هذا الموقف الصارم يمهد الأرضية لتسوية دولية كبرى، حيث تتقاطع هذه الرغبة المحلية مع توجهات القوى الكبرى والمؤسسات الأممية التي ترهن تقديم المساعدات بفرض السيادة الكاملة على كافة الأراضي اللبنانية.

وإن المجتمع الدولي، وعبر تطبيق القرارات الأممية وفي مقدمتها القرار 1701، يسعى لتثبيت واقع جديد تكون فيه القوى المسلحة الشرعية هي الوحيدة الموجودة ميدانيًا.

هذا التوجه الدولي يتقاطع مع رغبة الحكومة في تحييد لبنان عن الصراعات الكبرى، مما يجعل من ملف السلاح “ورقة رابحة” في يد الدولة إذا ما أحسنت استثمارها في مفاوضات التسوية.

فالهدف ليس مجرد نزع سلاح، بل الوصول إلى “عقد اجتماعي وأمني” جديد يضمن حماية لبنان من الخارج ومنع انفجاره من الداخل، وهو ما قد يكون المخرج الوحيد المتاح أمام الطبقة السياسية لتجنب الانهيار الشامل.

تحديات الميدان ومعضلة الانقسام الداخلي

رغم قوة الخطاب السياسي، تظل التحديات الميدانية هي الاختبار الحقيقي لجدية هذا التوجه، حيث يصطدم منطق الدولة بواقع عسكري معقد تكرس عبر سنوات طويلة. إن حصر السلاح بيد الدولة يتطلب تفاهمات وطنية عميقة وشجاعة سياسية من كافة الأطراف، فالأمر لا يتعلق فقط بقرار إداري، بل بتغيير في العقيدة الأمنية والسياسية للقوى التي تمتلك السلاح.

هنا تبرز مخاوف من حدوث احتكاكات داخلية إذا لم تتم العملية ضمن إطار حوار وطني شامل برعاية إقليمية ودولية تضمن طمأنة كافة المكونات.

إن الحكومة اللبنانية تدرك أن “معركة البندقية الواحدة” هي معركة “نَفَس طويل”، وأن النجاح فيها يتطلب توازنًا دقيقًا بين الحزم في المواقف السيادية وبين الحكمة في إدارة التنوع السياسي والاجتماعي اللبناني لتفادي أي انزلاق نحو الفوضى.

في قلب هذه المعركة، يبرز الجيش اللبناني كعمود فقري لأي تسوية مستقبلية، فهو المؤسسة الوحيدة التي تحظى بإجماع وطني وثقة دولية واسعة.

إن حصر السلاح بيد الدولة يعني عمليًا تعزيز قدرات الجيش وتمكينه من بسط سيطرته على كامل الحدود والمرافق الحيوية.

هذا الرهان على المؤسسة العسكرية يجد صدى واسعًا في العواصم الكبرى التي بدأت بالفعل في تكثيف مساعداتها النوعية للجيش اللبناني ليكون جاهزًا للقيام بدوره السيادي وإن نجاح الجيش في فرض سلطة القانون وحماية السيادة سيكون الضمانة الأكيدة لنجاح التسوية الدولية الكبرى، حيث سيعطي الانطباع بأن الدولة اللبنانية قد استعادت عافيتها وباتت قادرة على الوفاء بالتزاماتها الأمنية، مما يشجع الاستثمارات الأجنبية ويعيد لبنان إلى خارطة الاستقرار الإقليمي.