يمر المشهد التونسي بمرحلة مخاض عسيرة تتجاوز في أبعادها مجرد التعبير عن الاستياء الشعبي، لتصل إلى محاولات جادة وممنهجة لهيكلة “الغضب” وتحويله من قوة اندفاعية عفوية إلى برنامج عمل سياسي وسيادي متكامل.
فبعد سنوات من التجاذبات، انتقلت القوى المدنية والسياسية في تونس من مربع “رد الفعل” اللحظي والاحتجاجات المتفرقة إلى مرحلة “التنظّم” وبناء الكتلة التاريخية القادرة على تقديم بدائل حقيقية لإدارة الدولة.
إن “صراع الإرادات” القائم اليوم بين السلطة التي تتمسك برؤيتها الأحادية للإصلاح وبين معارضة مدنية بدأت تستعيد توازنها، يفرض تساؤلاً جوهريًا حول قدرة هذه القوى على ترجمة شعارات الشارع المطالبة بالحقوق والحريات إلى مشاريع قوانين ورؤى اقتصادية واجتماعية قادرة على إقناع المواطن التونسي المنهك من الأزمات المعيشية، خاصة في ظل انغلاق أفق الحوار السياسي التقليدي وتصاعد وتيرة التضييق على الأجسام الوسيطة.
سوسيولوجيا الغضب التونسي
لقد اتسمت الاحتجاجات التونسية في فترات سابقة بالعفوية والارتباط بلحظات زمنية محددة أو قرارات اقتصادية مفاجئة، إلا أن المتابع للمشهد الحالي يلحظ تحولاً في “سوسيولوجيا الغضب”.
هذا الغضب لم يعد يكتفي بالتظاهر في شارع الحبيب بورقيبة، بل بدأ يتسرب إلى داخل الندوات الفكرية، والاجتماعات النقابية، والروابط الحقوقية التي تسعى لصياغة “ميثاق وطني” جديد.
إن عملية الانتقال من “الصرخة” إلى “الوعي” تتطلب قدرة فائقة على تجميع الشتات السياسي، وهو ما تحاول القيام به جبهات الخلاص والقوى الديمقراطية والمنظمات الوطنية الكبرى وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل وإن التحدي الأكبر يكمن في كيفية إقناع القواعد الشعبية بأن المقاومة المدنية ليست مجرد تعطيل للمسار القائم، بل هي محاولة لإنقاذ السيادة الوطنية عبر بناء مؤسسات قوية قادرة على الصمود أمام الهزات السياسية والاقتصادية المتلاحقة.
مؤسسة المقاومة المدنية
تعتبر الأجسام الوسيطة، من نقابات وجمعيات حقوقية وعمادات مهنية، صمام الأمان الحقيقي في تونس لمنع الانزلاق نحو الفوضى أو الصدام الدموي. وفي ظل صراع الإرادات الحالي، بدأت هذه الأجسام في ممارسة دور “المقاومة المؤسساتية” عبر تقديم مبادرات وطنية شاملة تغطي ملفات العدالة، والاقتصاد، والحريات العامة.
إن ترجمة الغضب إلى “برنامج عمل” تعني بالضرورة الانتقال من الشعارات العامة مثل “شغل، حرية، كرامة وطنية” إلى صياغة بدائل تقنية وقانونية تتعلق بإصلاح القضاء، وضمان استقلالية الهيئات الدستورية، ووضع رؤية اقتصادية تخرج تونس من تبعية المديونية الدولية هذا “التنظّم” هو الذي يمنح المعارضة المدنية شرعيتها أمام المجتمع الدولي ويجعل منها شريكًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية، رغم محاولات السلطة المستمرة لتحجيم دور هذه المنظمات واتهامها بتجاوز تفويضها المهني نحو العمل السياسي.
تحدي السيادة الوطنية
تحتل قضية “السيادة الوطنية” مكانة مركزية في صراع الإرادات بتونس، حيث تسعى السلطة لترويج خطاب مفاده أن أي معارضة لتوجهاتها هي “ارتهان للخارج”، بينما ترد القوى المدنية والسياسية بأن السيادة الحقيقية تكمن في احترام إرادة الشعب وعقد اجتماعي تشاركي.
إن ترجمة الغضب إلى برنامج سيادي تتطلب من المقاومة المدنية تقديم رؤية واضحة حول كيفية التعامل مع المؤسسات المالية الدولية والشركاء الإقليميين دون التفريط في القرار الوطني.
المعارضة التونسية اليوم مطالبة بإثبات أن برنامجها السيادي هو الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار وجلب الاستثمار، عكس القراءات التي ترى في الانغلاق السياسي عزلة دولية تضر بمصالح الدولة. هذا الاشتباك الفكري حول مفهوم السيادة هو الذي سيحدد ملامح المرحلة القادمة، وما إذا كانت تونس ستتجه نحو نموذج “السيادة الانعزالية” أم “السيادة الديمقراطية التشاركية”.
استراتيجيات “النفس الطويل”
تواجه المقاومة السياسية والمدنية في تونس حملة تضييق غير مسبوقة شملت اعتقالات في صفوف القيادات السياسية والنشطاء، وتعديلات قانونية مست الحريات الصحفية وحق التنظم.
ومع ذلك، فإن رد الفعل لم يكن الانكفاء، بل التوجه نحو استراتيجيات “النفس الطويل” عبر بناء شبكات تضامن محلية ودولية.
إن الانتقال من الغضب إلى التنظّم يتجلى في قدرة هذه الهياكل على الاستمرار في العمل رغم غياب المقرات الرسمية أو القيود المفروضة على التمويل والنشاط العام. هذا الصمود يولد نوعًا جديدًا من “الشرعية النضالية” التي تتجاوز الصناديق الانتخابية لتصل إلى عمق المجتمع المدني، و إن المقاومة التونسية اليوم لا تراهن على ضربة قاضية في جولة واحدة، بل تراهن على تراكم النقاط والانتصارات الصغيرة في ملفات حقوقية وقانونية، وصولاً إلى لحظة “التوازن” التي تجبر كافة الأطراف على الجلوس إلى طاولة حوار وطني شامل لا يستثني أحدًا.
تونس ومستقبل “البديل المنظم” في مواجهة الأحادية
يظل صراع الإرادات في تونس هو المحرك الأساسي للتاريخ السياسي المعاصر للبلاد. إن القدرة على تحويل شعارات الغضب العارم إلى برامج عمل سيادي واقعي هي الاختبار الحقيقي لنضج النخبة التونسية وقدرتها على قيادة المرحلة ، فتونس لا تحتاج فقط إلى “احتجاج”، بل تحتاج إلى “بديل” يمتلك الهياكل والبرامج والكوادر القادرة على إدارة الدولة بكفاءة.
وإذا نجحت القوى المدنية والسياسية في استكمال مسار “التنظّم” وتجاوز خلافاتها الأيديولوجية الضيقة، فإنها ستكون قد وضعت اللبنة الأولى في بناء “الجمهورية الديمقراطية المستقرة”و إن الطريق وعر ومثقل بالتحديات، لكن الحراك الشعبي والمدني التونسي أثبت مرارًا أنه يمتلك مخزونًا هائلاً من الإبداع السياسي القادر على ابتكار حلول من قلب الأزمات، معلنًا أن إرادة الشعوب هي دائمًا البوصلة الأخيرة في تحديد مسارات السيادة والحرية.

