ذات صلة

جمع

صراع الإرادات.. كيف تُترجم شعارات الغضب إلى برامج عمل سيادي بتونس؟

يمر المشهد التونسي بمرحلة مخاض عسيرة تتجاوز في أبعادها...

الانشقاقات الداخلية تمزق حلفاء الجيش.. كيف سيطر “الإخوان” على مفاصل القرار في القيادات السودانية؟

تشهد الساحة السياسية السودانية، وتحديداً داخل أروقة الحركات المسلحة...

عزل مناوي وقطع الإمدادات.. كيف تدير عقلية المجموعات قرارات العزل والتعيين؟

تعيش السلطة القائمة في السودان اليوم حالة من التآكل...

من الاحتقان الداخلي إلى حافة الردع العسكري.. مسار التصعيد بين واشنطن وطهران

لم تولد الأزمة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران في...

الانشقاقات الداخلية تمزق حلفاء الجيش.. كيف سيطر “الإخوان” على مفاصل القرار في القيادات السودانية؟

تشهد الساحة السياسية السودانية، وتحديداً داخل أروقة الحركات المسلحة والكتل المتحالفة مع الجيش، حالة من الغليان غير المسبوق في أعقاب انتشار تسجيلات صوتية مسربة قلبت الموازين رأساً على عقب.


وأكدت مصادر مطلعة أن هناك توجهاً فعلياً وجاداً لعزل القيادي “محمد سيد أحمد الجاكومي” من منصبه وتجميد نشاطه، وذلك بعد الفضيحة التي فجّرها التسجيل الصوتي الذي نُشر علناً مؤخراً، والذي كشف عن كواليس وخلافات حادة تسببت في إحراج كبير لمكونات الكتلة الديمقراطية.


ولا يتوقف الأمر عند الجاكومي فحسب، بل تمتد رياح التغيير والإقصاء لتطال “جبريل إبراهيم”، وزير المالية ورئيس حركة العدل والمساواة، وسط اتهامات متزايدة بالفشل في إدارة الملف الاقتصادي واستغلال التحالفات السياسية لخدمة أجندة ضيقة مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين (النظام البائد).
فضيحة التسريبات
يُعتبر التسجيل الصوتي الذي انتشر مؤخراً للجاكومي بمثابة “رصاصة الرحمة” على مستقبله السياسي داخل التحالف الحالي. التسجيل الذي تم تداوله على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، تضمن تصريحات اعتُبرت مسيئة ومكشوفة لخطط سياسية كان من المفترض أن تظل طي الكتمان.


ووفقاً لمحللين، فإن الجاكومي بتصريحاته تلك قد تجاوز الخطوط الحمراء، مما جعل بقاءه في أي منصب قيادي يمثل عبئاً أخلاقياً وسياسياً على حلفائه.


وهناك إجماع حالي بين قيادات مؤثرة داخل الكتلة الديمقراطية على أن “العزل” هو الخيار الوحيد لترميم الصدع الذي أحدثه هذا التسريب، خاصة أن التوقيت يتزامن مع ضغوط دولية وإقليمية لإعادة ترتيب البيت الداخلي السوداني بعيداً عن الوجوه المستهلكة أو المثيرة للجدل.


إقصاء جبريل إبراهيم


بالتوازي مع أزمة الجاكومي، يبرز اسم جبريل إبراهيم كهدف رئيسي لعملية “التطهير السياسي” الجارية خلف الكواليس. وتواجه حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل انتقادات لاذعة من داخل معسكر “الكرامة”، حيث يُنظر إليه كشخصية تعمل على تنفيذ أجندة الحركة الإسلامية السودانية تحت غطاء العمل المسلح والسياسي. المعلومات الواردة تشير إلى أن هناك رغبة جامحة من أطراف فاعلة (عسكرية ومدنية) في إقصاء جبريل إبراهيم من المشهد التنفيذي والسياسي، مبررين ذلك بضرورة فك الارتباط بين مؤسسات الدولة الحالية وبين رموز النظام البائد الذين يتسترون خلف عباءة جبريل.


هذا التوجه يأتي أيضاً بعد فشل ذريع في الملف الاقتصادي، حيث لم يستطع جبريل توفير الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي للسودانيين في ظل الحرب، مما جعل إقالته مطلباً شعبياً وسياسياً ملحاً.


الانشقاقات الداخلية
لم تكن هذه الأزمات وليدة الصدفة، بل هي نتيجة طبيعية لسلسلة من الانشقاقات الداخلية التي ضربت الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام. إن الصراع على الموارد والمناصب، والاتهامات المتبادلة بالخيانة، أدت إلى ظهور تيارات منقسمة داخل كل حركة.


وما يحدث الآن للجاكومي وجبريل هو انعكاس لهذه الانقسامات؛ حيث بدأت القيادات الوسيطة والقواعد في التمرد على الرؤى “الإخوانية” التي تسيطر على مفاصل القرار في بعض هذه الحركات.


هذه الانشقاقات أضعفت الموقف التفاوضي لهذه الكتل وجعلتها في حالة دفاع دائم، مما يمهد الطريق لظهور قيادات جديدة تحاول النأي بنفسها عن إرث النظام السابق وعن الصراعات الشخصية التي طغت على المصلحة الوطنية العليا.


يعد الكشف عن الهوية “الإخوانية” للعديد من القيادات السودانية الحالية هو المحور الأكثر خطورة في التحولات الجارية، فبالرغم من محاولات التخفي خلف شعارات “الوطنية” و”دعم القوات المسلحة”، إلا أن التقارير الاستخباراتية والسياسية بدأت تشير بوضوح إلى أن مراكز اتخاذ القرار في الكتلة الديمقراطية وبعض أجنحة الجيش تقع تحت تأثير مباشر من قيادات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في السودان. هذا الارتباط هو ما دفع القوى الدولية إلى التوجس من أي تسوية سياسية تشمل هؤلاء الأفراد.


إن عزل الجاكومي وإقصاء جبريل يُنظر إليهما كخطوة أولى وضرورية “لتنظيف” المشهد من التغلغل الإخواني الذي يسعى لإطالة أمد الحرب لضمان بقائه في السلطة أو العودة إليها من الباب الخلفي عبر الحركات المسلحة.


كما أن السودان اليوم يقف على أعتاب مرحلة تتطلب وجوهاً غير ملطخة بالانتماءات الحزبية الضيقة أو التبعية للخارج، وهو ما يجعل من “زلزال التسريبات” فرصة لتصحيح المسار التاريخي.