لطالما عُرفت بيروت بأنها “مطبعة الشرق” و”رئة العرب” التي يتنفسون من خلالها عبير الحرية، لكن هذه الصورة اهتزت بشدة – خلال السنوات الماضية- بفعل أزمات سياسية واقتصادية خانقة، وضعت الصحفيين بين مطرقة التضييق الأمني وسندان الملاحقات القضائية.
ومع مطلع عام 2026، بدأت تلوح في الأفق بوادر ما يمكن تسميته بـ “ربيع الإعلام اللبناني”، فهل نجحت بيروت فعليًا في عبور نفق التضييق نحو فضاء الحرية؟
المسار الإصلاحي
جاءت تصريحات وزير الإعلام اللبناني الأخيرة لتضع النقاط على الحروف، معلنةً انتقال البلاد إلى “مسار إصلاحي وأمني” شامل، هذا المسار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكمات ومطالبات حقوقية محلية ودولية.
وتتمثل أبرز ملامح هذا التحول في تراجع التدخل المباشر للأجهزة الأمنية في المحتوى الإعلامي، والاكتفاء بالقضاء المدني كمرجع وحيد للنزاعات الصحفية وتفعيل المسودة الجديدة لقانون الإعلام التي تلغي عقوبة الحبس للصحفيين وتستبدلها بغرامات رمزية، مما أزال سيف “الترهيب” عن رقاب أصحاب الأقلام.
ولم يعد الأمن يعني “القمع”، بل أصبح يعني حماية المؤسسات الإعلامية من اعتداءات “الخارجين عن القانون” أو المجموعات الحزبية، مما وفّر بيئة آمنة للمراسلين في الميدان.
تشير التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية في يناير 2026 إلى قفزة نوعية للبنان في مؤشر حرية الصحافة العالمي هذا التحسن لم يأتِ من فراغ، بل عززه غياب “الخطوط الحمراء” التقليدية التي كانت تمنع المساس ببعض الشخصيات السياسية أو الملفات المالية الحساسة.
لقد أثبت الإعلام الاستقصائي اللبناني في الأشهر الأخيرة قدرته على كشف ملفات فساد كبرى دون أن يواجه الصحفيون مصير “النفي” أو “الاعتقال”، وهو ما اعتبره مراقبون “المؤشر الحقيقي” على عبور نفق التضييق.
التحديات القائمة
رغم الإيجابيات، ما يزال “ربيع الإعلام” يواجه تحديات اقتصادية جمة. فالحرية السياسية لا تكتمل إلا بـ “استقلال مالي”؛ إذ ما تزال العديد من المؤسسات الإعلامية تعاني من شح التمويل، مما يجعلها عرضة للارتهان لأجندات الممولين.
كما أن “خطاب الكراهية” والتجييش الطائفي عبر المنصات الرقمية يمثل تحديًا للمسار الأمني الجديد، الذي يحاول التوازن بين حماية حرية التعبير ومنع الفتنة.
لبنان اليوم أمام فرصة تاريخية لاستعادة دوره كمركز إعلامي إقليمي ففي محيط تضيق فيه المساحات، يمكن لبيروت أن تكون “الواحة” التي تجمع المبدعين والمفكرين.
إن الحرية هي التي ستعيد للبنان عافيته الاقتصادية والسياسية، لأنها ببساطة هي “العملة” الوحيدة التي لم تفقد قيمتها في سوق القيم اللبنانية. فليكن ربيعًا دائمًا، وليظل القلم اللبناني حرًا، جريئًا، ومنارةً لا تنطفئ في ليل الشرق.

