ذات صلة

جمع

أقفال طرابلس ومفاتيح بنغازي.. مَن يكسر حلقة التمديد الذاتي للطبقة السياسية؟

تعيش ليبيا حالة من "الاستعصاء السياسي" المزمن، حيث تحولت...

بروباغندا “الموت الزائف”.. لماذا يروج الإخوان شائعات وفاة قادتهم في السجون؟

عادت ماكينة الشائعات التابعة لجماعة الإخوان المسلمين للعمل بكثافة،...

تنسيقية المعتقلين.. هل تنجح في تحويل مسار الأزمة السياسية في تونس؟

تشهد الساحة السياسية التونسية منعطفًا جديدًا مع الإعلان عن...

اقتصاد تونس على المحك.. هل تنهي الحكومة معاناة الطبقة المتوسطة؟

تستقبل تونس عام 2026 وهي تقف عند مفترق طرق اقتصادي حاسم؛ فبينما تُظهر الأرقام الرسمية بوادر تعافٍ تدريجي، ما يزال المواطن التونسي، وخاصة من ينتمي إلى الطبقة المتوسطة، يصارع تداعيات سنوات من التضخم الجامح وتآكل القدرة الشرائية.

ومع صدور قانون المالية لعام 2026، تتجه الأنظار نحو الإجراءات “الثورية” التي أقرتها حكومة السيدة مشكاة سلامة الخالدي، والتي تهدف إلى إعادة توزيع العبء الجبائي وتكريس مفهوم “الدولة الاجتماعية” في مواجهة تحديات الديون والتمويل الخارجي.

مؤشرات اقتصادية: تعافٍ حذر وسط ضغوط الديون

وتشير التقديرات الرسمية إلى استهداف نسبة نمو تصل إلى 3.3% خلال عام 2026، مدعومة بانتعاش قطاعات حيوية مثل السياحة والفلاحة، وتطور الاستثمار بنسبة متوقعة تصل إلى 12%.

ومع ذلك، يرى الخبراء، أن هذه الأرقام تظل رهينة الاستقرار السياسي والقدرة على توفير التمويلات اللازمة لميزانية الدولة التي بلغت قيمتها نحو 79.6 مليار دينار.

التحدي الأكبر يكمن في خدمة الدين العام، التي تلتهم نحو 26% من الموازنة “حوالي 23 مليار دينار”، وفي ظل استمرار التحفظ على شروط صندوق النقد الدولي، اعتمدت تونس في 2026 على “التعويل على الذات” عبر التمويل المباشر من البنك المركزي والاقتراض الداخلي، وهي سياسة تثير مخاوف من تجفيف السيولة لدى البنوك وتقليص فرص تمويل القطاع الخاص والمؤسسات الصغرى والمتوسطة.

الطبقة المتوسطة: العمود الفقري الذي يرفض الانكسار

لسنوات طويلة، كانت الطبقة المتوسطة في تونس صمام أمان الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي، لكنها تعرضت لهزات عنيفة أدت إلى انزلاق فئات واسعة منها نحو خط الفقر، وفي عام 2026، وضعت الحكومة “حماية القدرة الشرائية” كأولوية قصوى عبر استراتيجية تهدف لتثبيت نسبة التضخم عند 5.3%، وهي نسبة تعتبر طموحة مقارنة بمستويات عام 2024 التي تجاوزت 7%.

وتضمن قانون مالية 2026 إجراءات ملموسة لدعم هذه الطبقة، أبرزها مراجعة الجدول الضريبي عبر تخفيف العبء الجبائي على الأجراء وأصحاب الدخل المحدود والمتوسط، مقابل فرض ضريبة على الثروة لمن تتجاوز ممتلكاتهم 5 ملايين دينار، وهو إجراء يهدف إلى تعزيز “العدالة الجبائية”.

ودعم المواد الأساسية حيث رفعت الحكومة اعتمادات دعم المواد الاستهلاكية إلى 4079 مليون دينار، مع تعهد بعدم الترفيع في أسعار المحروقات والكهرباء والماء خلال هذا العام.

وإصلاحات “الأمان الاجتماعي” و توسيع مظلة التغطية الصحية والاجتماعية لتشمل العاملين في القطاع غير المنظم، وتشجيعهم على الانخراط في الدورة الاقتصادية الرسمية.

معضلة البطالة وشبح الإضرابات

رغم التفاؤل الحكومي، لا تزال سوق الشغل تئن تحت وطأة البطالة، خاصة بين حاملي الشهادات العليا، وقد شهد مطلع عام 2026 توترات نقابية قادها الاتحاد العام التونسي للشغل، تعبيرًا عن رفض سياسات “التشغيل الهش” والمطالبة بزيادات دورية في الأجور لمواجهة الغلاء.

واستجابت الحكومة في موازنة 2026 بفتح انتدابات في الوظيفة العمومية، مع إقرار حوافز للشركات الخاصة التي توظف الخريجين الجدد، حيث تتحمل الدولة مساهمة الأعراف في التغطية الاجتماعية بنسبة 100% في السنة الأولى، تتناقص تدريجيًا على مدى خمس سنوات. هذه الخطوة تهدف إلى امتصاص غضب الشارع الشبابي وتقليل نزيف الهجرة التي استنزفت الكفاءات التونسية في الأعوام الماضية.

السيادة الطاقية والتحول الرقمي

وتراهن تونس في 2026 على “السيادة الطاقية” كمدخل لتخفيض العجز التجاري، وقد تضمن مشروع الميزان الاقتصادي تشجيعات غير مسبوقة للاستثمار في الطاقات المتجددة والسيارات الكهربائية، مع إعفاءات جمركية وضريبية واسعة، كما تسعى الدولة إلى رقمنة مسالك التوزيع لمكافحة الاحتكار والمضاربة، وهي الآفات التي كانت سببًا رئيسًا ١ذوفيفي فقدان المواد الأساسية وارتفاع أسعارها بشكل غير مبرر.

عام الحسم

إن نجاح الحكومة التونسية في إنهاء معاناة الطبقة المتوسطة لا يتوقف فقط على النصوص القانونية في موازنة 2026، بل يمتد إلى مدى قدرتها على تحويل هذه الوعود إلى واقع ملموس في قفة المواطن اليومية، فالتحدي حقيقي، والاقتصاد التونسي بالفعل على المحك، فإما العبور نحو نمو إدماجي مستدام، أو الاستمرار في إدارة الأزمات بمسكنات مؤقتة قد لا تصمد طويلاً أمام الضغوط الاجتماعية المتزايدة.