ذات صلة

جمع

من شارع بورقيبة إلى القصر.. لماذا فشلت مسكنات السلطة في تهدئة الشارع التونسي؟

في مشهد يعيد للأذهان زخم الثورة التونسية الأولى، يغص...

التصنيف الأميركي للإخوان.. معركة تجفيف الشرعية المزيفة قبل تجفيف التمويل

في توقيت محسوب بدقة، أعلنت الولايات المتحدة إدراج فروع...

سلاح المقاطعة يهز أسواق ليبيا.. هل ينجح المستهلك في كسر احتكار السوق؟

تشهد الأسواق الليبية في الآونة الأخيرة حراكًا شعبيًا غير...

من شارع بورقيبة إلى القصر.. لماذا فشلت مسكنات السلطة في تهدئة الشارع التونسي؟

في مشهد يعيد للأذهان زخم الثورة التونسية الأولى، يغص شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة تونس، اليوم، بآلاف المتظاهرين الذين كسروا جدار الصمت المحاط بالقبضة الأمنية، لم تعد الهتافات تقتصر على المطالب المعيشية فحسب، بل ارتفع سقفها ليصل إلى أعتاب “قصر قرطاج”، حاملةً شعارًا واحدًا وهو “الظلم ينذر بالثورة”، هذا الحراك المتصاعد يطرح تساؤلاً ملحًا حول الأسباب التي جعلت “مسكنات” السلطة السياسية والوعود الاقتصادية تفشل في امتصاص غضب الشارع.

بركان الغضب يغلي

منذ مطلع عام 2026، دخلت تونس مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة بين السلطة والمعارضة الشعبية التي لم تعد مقتصرة على الأحزاب، بل شملت النقابات والمنظمات الحقوقية.

ورغم محاولات الحكومة تقديم حزم من “الإصلاحات” العاجلة، إلا أن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي اتسعت إلى حد غير مسبوق.

لماذا فشلت الوعود الحكومية؟

وترى مصادر، أن السلطة في تونس اعتمدت لسنوات على إستراتيجية “تسكين الأوجاع” بدلاً من استئصال المرض، وهو ما أدى إلى انفجار الأوضاع للأسباب التالية: منها التضخم الجامح و لم تعد الزيادات الطفيفة في الأجور قادرة على ملاحقة الارتفاع الجنوني في أسعار المواد الأساسية وانسداد الأفق السياسي و استمرار العمل بالمراسيم الاستثنائية وتهميش الدور الرقابي للبرلمان خلق شعورًا عامًا بغياب العدالة والمحاسبة وأزمة الحريات، حيث تزايد الملاحقات القضائية ضد النشطاء والصحفيين حوّل الاحتقان المكتوم إلى غضب علني في الميادين.

“الظلم ينذر بالثورة”

ولم يكن اختيار شعار “الظلم ينذر بالثورة” عفويًا؛ فهو يستلهم من المقولة الخلدونية الشهيرة أن “الظلم مؤذن بخراب العمران”.

المتظاهرون في شارع بورقيبة، والذين توافدوا من أحياء “التضامن” و”سيدي حسين” وصولاً إلى ولايات الداخل مثل “سيدي بوزيد” و”القصرين”، يرون أن السلطة الحالية مارست نوعاً من “الظلم المزدوج”: ظلم اقتصادي بتفقير الطبقة الوسطى، وظلم سياسي بالإقصاء.

رمزية شارع بورقيبة

ويظل هذا الشارع “ترمومتر” الثورة في تونس، إن وصول الحشود إليه وتجاوز الحواجز الأمنية المكثفة يعني أن الحاجز النفسي للخوف قد انهار. واليوم، لم يعد الشارع يطالب بـ “الخبز” فقط، بل بـ “الكرامة الوطنية” وتصحيح المسار الديمقراطي.

الانهيار الاقتصادي

تُشير التقارير الاقتصادية لعام 2026 إلى أن تونس تعاني من أزمة مديونية خانقة، حيث فشلت المفاوضات المتكررة مع صندوق النقد الدولي في تأمين تدفقات نقدية كافية دون “شروط مؤلمة”.

فقد حاولت السلطة تهدئة الشارع عبر توزيع “منح اجتماعية” ظرفية، لكن هذه المسكنات اصطدمت بحقيقة أن الأسواق تعاني من ندرة الحليب، السكر، والزيت، وهي سلع أصبحت من “المستحيلات” للمواطن البسيط.

الموقف الدولي

لا ينفصل ما يحدث في شارع بورقيبة عن التوازنات الدولية، فالاتحاد الأوروبي، الشريك التجاري الأول لتونس، يراقب بحذر وتخشى العواصم الأوروبية أن يؤدي انهيار الاستقرار في تونس إلى موجات هجرة غير مسبوقة نحو السواحل الشمالية للمتوسط.

من جهة أخرى، ترى المصادر أن “الدبلوماسية التونسية” باتت في موقف محرج؛ حيث تضغط الجهات المانحة باتجاه “حوار وطني شامل” لا يستثني أحدًا، وهو الأمر الذي ترفضه السلطة في قرطاج حتى الآن، معتبرة إياه تدخلاً في الشأن السيادي.

هل نحن أمام “خريف غضب” أم “ربيع جديد”؟

هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة للمشهد التونسي في الأسابيع القادمة السيناريو الأول التصعيد و استمرار القمع الأمني للمسيرات؛ مما قد يؤدي إلى انزلاق الأوضاع نحو مواجهات دامية تعجل برحيل المنظومة الحالية والسيناريو الثاني الانفراج ورضوخ السلطة لمطالب الشارع والبدء في إجراءات إصلاحية جذرية، تشمل تشكيل حكومة إنقاذ وطني والدعوة لانتخابات مبكرة والسيناريو الثالث الجمود وهو استمرار حالة “عض الأصابع” بين الشارع والقصر، وهو سيناريو يستنزف الدولة ويهدد بانهيار المؤسسات.

لا بديل عن الحل السياسي

فشلت مسكنات السلطة في تونس لأنها لم تلامس جوهر المشكلة، وقالت مصادر: إن أزمة تونس ليست تقنية أو مالية فحسب، بل هي أزمة ثقة عميقة بين الحاكم والمحكوم فمن شارع بورقيبة إلى القصر، الرسالة باتت واضحة وهي الجوع قد يُحتمل لفترة، لكن الظلم هو الوقود الذي لا ينطفئ حتى يشعل الثورة.

spot_img