ذات صلة

جمع

السودان في مفترق طرق.. كيف يقود البرهان عملية “إعادة تدوير” للنظام السابق؟

يعيش السودان اليوم واحدة من أصعب فتراته التاريخية منذ الاستقلال، حيث تحولت أحلام “ثورة ديسمبر” التي أطاحت بنظام عمر البشير في 2019 إلى كابوس من الحرب والدمار.

وفي قلب هذا المشهد المعقد، تبرز تساؤلات ملحة حول الدور الذي يلعبه القائد العام للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وما يوصف بمحاولات “إعادة تدوير” نظام المؤتمر الوطني المحلول للواجهة السياسية والعسكرية مرة أخرى.

صعود “الإسلامويين” من تحت الرماد

فمنذ وقوع الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021، بدأ المشهد السياسي في السودان يتغير بشكل دراماتيكي، ترى مصادر أن البرهان وجد نفسه مضطرًا للتحالف مع القوى المنظمة والكوادر الإدارية والأمنية التي كانت تشكل العمود الفقري لنظام البشير، وذلك لسد الفراغ الذي خلفه الصدام مع القوى المدنية “قحت”.

ومع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تسارعت وتيرة هذا “التدوير”، انخرطت كتائب “البنيان المرصوص” و”كتيبة البراء بن مالك” وهي مجموعات قتالية تابعة للتيار الإسلامي في القتال جنب ًا إلى جنب مع القوات المسلحة، مما أعطاها نفوذًا جديدًا وشرعية “الدم” التي تطالب بمقابلها السياسي لاحقًا.

آليات إعادة التدوير.. كيف يعود “الفلول”؟

تتم عملية إعادة التدوير عبر عدة مستويات استراتيجية تهدف إلى تمكين عناصر النظام السابق من مفاصل الدولة مجددًا، حيث تمت إعادة المئات من الموظفين والوكلاء الذين تم فصلهم بواسطة “لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو” إلى مناصبهم في الوزارات والخدمة المدنية وصدرت قرارات بإلغاء مصادرة أموال وممتلكات رموز النظام السابق، وتبرئة العديد منهم من تهم الفساد، مما مهد الطريق لعودتهم إلى المشهد العام وعادت المنصات الإعلامية والأقلام المحسوبة على النظام البائد لتقود حملات التعبئة الشعبية ضد الخصوم السياسيين (المدنيين) وقوات الدعم السريع، مصورة الجيش كحامي وحيد للهوية والسيادة.

إن ربط مصير الجيش بعناصر النظام السابق يعقد فرص الوصول إلى حل سلمي للأسباب التالية، حيث يتبنى أنصار النظام السابق خطابًا متشددًا يرفض أي تفاوض ينهي الحرب دون انتصار عسكري حاسم، وهو ما يطيل أمد معاناة السودانيين.

ويراقب المجتمع الدولي بقلق عودة الوجوه المطلوبة للمحكمة الجنائية الدولية أو الخاضعة لعقوبات، مما يعيق تدفق المساعدات وجهود إعادة الإعمار، كما تزيد هذه السياسة من حدة الانقسام القبلي والجهوي، حيث يتم تصوير الصراع كمعركة وجودية بين “دولة قديمة” ومشاريع “تغيير جذري”.

إن محاولات “إعادة تدوير” النظام السابق في السودان ليست مجرد تكتيك عسكري لخوض حرب، بل هي استراتيجية تهدف إلى وأد مكتسبات الثورة وتثبيت حكم الفرد مجددًا، ومع ذلك، يظل الوعي الشعبي السوداني وتجاربه المريرة مع النظام السابق حجر العثرة الأكبر أمام طموحات العودة إلى ما قبل 2019.

إن السودان لا يحتاج إلى تدوير الوجوه القديمة، بل إلى إعادة بناء عقد اجتماعي جديد يضمن المواطنة المتساوية، ويبعد المؤسسة العسكرية عن التجاذبات السياسية، وينهي دوامة الحروب التي مزقت النسيج الوطني.