ذات صلة

جمع

بين قبضة السلطة وغضب الشارع.. كيف تحولت معاناة التونسيين إلى وقود للحراك الثوري؟

منذ فجر “ثورة الياسمين” في 2011، لم تتوقف عقارب الساعة في تونس عن الدوران في حلقة مفرغة بين آمال التغيير وواقع الأزمات.

واليوم، يجد التونسيون أنفسهم أمام مشهد متكرر؛ سلطة تحاول إحكام قبضتها بدعوى “تصحيح المسار”، وشارع يغلي تحت وطأة التضخم والفقر وغياب الأفق السياسي.

الواقع الاقتصادي: عندما يتحدث الجوع

لا يمكن فهم الحراك الثوري في تونس دون النظر إلى أرقام الاقتصاد التي باتت كابوسًا يلاحق العائلات التونسية، حيث وصلت نسب التضخم إلى مستويات قياسية، مما أدى إلى تآكل المقدرة الشرائية بشكل غير مسبوق. اختفاء المواد الأساسية “السكر، الزيت، القهوة” من الأسواق لم يعد مجرد أزمة تموين، بل صار رمزًا لفشل الإدارة الاقتصادية.

وما تزال نسب البطالة، خاصة في صفوف حاملي الشهادات العليا وفي المناطق الداخلية “سيدي بوزيد، القصرين”، تشكل لغمًا موقوتًا، هذا اليأس دفع بالآلاف نحو “قوارب الموت” في هجرة غير نظامية تعكس فقدان الثقة في المستقبل.

المشهد السياسي: من التعددية إلى “الرجل الواحد”

منذ إجراءات 25 يوليو 2021 التي اتخذها الرئيس قيس سعيد، انقسم الشارع التونسي، وبينما اعتبرها البعض ضرورة لإنهاء “عشرية الخراب” والفساد البرلماني، رأت فيها قوى المعارضة والمنظمات الحقوقية “انقلابًا” على الدستور.

اتساع الفجوة بين السلطة والمعارضة

تحولت القبضة الأمنية والملاحقات القضائية لرموز المعارضة إلى وقود جديد للاحتجاجات. يرى المحللون أن تمركز السلطات في يد رئاسة الجمهورية أدى إلى تغييب الحوار الوطني الشامل وإضعاف دور الأحزاب والجمعيات المدنية وتصاعد خطاب التخوين، مما خلق حالة من الاستقطاب الحاد في الشارع.

“قيد الانتظار”: الحقوق والحريات في الميزان

تونس التي كانت تُعد “الاستثناء الديمقراطي” في العالم العربي، تواجه اليوم انتقادات دولية واسعة بخصوص تراجع سقف الحريات.

التضييق على حرية التعبير ومحاكمة الصحفيين والمدونين بموجب “المرسوم 54” خلق حالة من الغضب المكتوم. هذا الغضب لا يلبث أن يتحول إلى وقود للحراك في الساحات، حيث يتحول الدفاع عن “الحرية” إلى قضية وجودية لا تقل أهمية عن “الخبز”.

كيف تتحول المعاناة إلى فعل ثوري؟

المعاناة التونسية ليست مجرد أرقام في تقارير البنك الدولي، بل هي ديناميكية اجتماعية تتشكل عبر فقدان الأمان الاجتماعي، عندما يشعر المواطن أن الدولة عاجزة عن توفير الدواء والغذاء، يسقط “العقد الاجتماعي” والعدالة الناجزة و غياب المحاسبة الحقيقية لبارونات الفساد، مع تزايد الضغط على الطبقات المتوسطة والفقيرة، يولد شعورًا بالظلم الاجتماعي والذاكرة الجماعية حيث يمتلك التونسيون إرثًا نضاليٌا يجعل من “الشارع” وسيلة التعبير الأولى والأخيرة عند انسداد قنوات الحوار السياسي.

السيناريوهات القادمة

يرى مراقبونؤ أن تونس تقف على فوهة بركان. المعاناة المعيشية إذا لم تقابلها حلول اقتصادية عاجلة وانفتاح سياسي، قد تؤدي إلى انفجار اجتماعي غير مؤطر منها احتجاجات عفوية تتجاوز الأحزاب والنقابات وتعمق الأزمة السياسية و زيادة العزلة الدولية وتراجع المساعدات الخارجية وتسوية وطنية ضرورية: العودة إلى طاولة الحوار برعاية المنظمات الكبرى (مثل اتحاد الشغل) لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

إن التحول من “المعاناة” إلى “الثورة” في تونس ليس مجرد احتمال، بل هو مسار تاريخي أثبت التونسيون قدرتهم عليه سابقًا، فالسلطة اليوم مطالبة بإدراك أن قبضة الأمن قد تفرض هدوءًا مؤقتًا، لكنها لا تطعم الجائعين ولا تمنح الأمل للشباب، ويبقى الشارع التونسي هو البوصلة الحقيقية، وغضبه هو المحرك الذي سيحدد وجهة البلاد في السنوات القادمة.