لم تعد العواصم الأوروبية كما كانت قبل عقدين من الزمن “ملاذًا آمنًا” لأنشطة جماعة الإخوان المسلمين، فمع مطلع عام 2026، تشهد القارة العجوز تحولاً جذريًا في التعاطي القانوني والأمني مع الشبكات التابعة للجماعة، منتقلة من مرحلة “الرقابة الصامتة” إلى مرحلة “الملاحقة القضائية والتشريعية”.
خريف “الإسلام السياسي” في فرنسا وألمانيا
تعد فرنسا وألمانيا المحركين الأساسيين للسياسات الأوروبية الجديدة تجاه الجماعة.ففي فرنسا، لم يعد “قانون تعزيز مبادئ الجمهورية” المعروف بقانون مكافحة الانفصالية، مجرد نص تشريعي، بل تحول إلى أداة تنفيذية مكنت السلطات من إغلاق عشرات الجمعيات والمساجد.
حيث كثفت وزارة الداخلية الفرنسية تحقيقاتها حول نفوذ الجماعة في الضواحي، مع التركيز على “الاختراق الأيديولوجي” الذي يروج لقيم تتعارض مع العلمانية الفرنسية.
أما في ألمانيا، فيلعب “مكتب حماية الدستور” دورًا محوريًا في تصنيف الجمعيات التابعة للإخوان ككيانات “معادية للنظام الديمقراطي الحر”.
التحقيقات الألمانية في 2024 و2025 ركزت على تتبع الروابط بين الجمعيات الثقافية والتنظيم الدولي ، مراقبة الخطاب التحريضي في المراكز الإسلامية الكبرى مثل “مركز ميونخ الإسلامي”.
سلاح التمويل.. تجفيف “المحفظة المالية”
لطالما اعتمدت الجماعة على شبكة معقدة من “بيزنس الحلال”، والشركات العقارية، والصناديق الخيرية. اليوم، تسعى القوانين الأوروبية لكسر هذه الحلقة عبر:
حيث كشفت تحقيقات أوروبية في عام 2025 أن الجماعة استغلت ثغرات في قوانين التبرعات لتمويل أنشطة سياسية، وبدأت البنوك الأوروبية، بتوجيه من الهيئات الرقابية، في تجميد حسابات منظمات يشتبه في صلتها بتمويل “الإسلام السياسي” عابر الحدود.
وأوقفت المفوضية الأوروبية والعديد من الحكومات المحلية منحًا كانت تذهب لجمعيات شبابية مثل FEMYSO بعد ضغوط برلمانية كشفت عن ارتباطاتها الأيديولوجية بالجماعة.
تحولات بريطانيا والنمسا.. من الاحتواء إلى الحظر
بريطانيا، التي كانت تُعرف بكونها “المقر العالمي” للإخوان في أوروبا، شهدت تغيرًا في اللهجة السياسية. فرغم عدم حظر الجماعة بشكل كامل، إلا أن مراجعات برنامج “بريفينت” لمكافحة التطرف في 2025 أشارت بوضوح إلى أن التطرف “غير العنيف” الذي تروج له الجماعة يمثل الحاضنة الأولى للراديكالية.
في المقابل، كانت النمسا سباقة في إنشاء “مركز توثيق الإسلام السياسي”، والذي يعمل كبنك معلومات للقضاء والأمن لتفكيك البنى التحتية للإخوان، خاصة بعد أحداث فيينا التي سرعت من وتيرة القوانين التي تحظر رموز الجماعة وشعاراتها.
الاستراتيجيات القانونية الأوروبية المشتركة
لا تعمل الدول الأوروبية في جزر منعزلة، بل هناك تنسيق متزايد عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية عبر “يوروپول” لتتبع قادة التنظيم الدولي وتطويق تحركاتهم المالية وتحديث قوانين المواطنة والاندماج وربط بقاء هذه المراكز بمدى التزامها بـ “ميثاق مبادئ الإسلام” الذي يرفض التدخلات الخارجية واستخدام الخوارزميات لمراقبة المحتوى التحريضي على المنصات التابعة للجمعيات الإخوانية لضمان إزالته في غضون ساعة واحدة.
التحديات والمستقبل
رغم هذه الملاحقات، تواجه أوروبا تحديات قانونية تتمثل في السرية والتخفي وتحول الجماعة إلى “تيار سائل” بلا مكاتب رسمية لتفادي الضربات القانونية ومحاولة الجماعة استغلال القوانين الأوروبية للدفاع عن نفسها تحت بند “الحرية الدينية” أو “الإسلاموفوبيا”.
يذكر أن أوروبا في 2026 لم تعد ساحة مفتوحة للإخوان، لقد أدركت الحكومات أن المعركة ليست أمنية فقط، بل هي معركة قانونية وتشريعية تهدف إلى حماية العقد الاجتماعي الأوروبي من “المجتمعات الموازية” التي سعت الجماعة لبنائها على مدار عقود.

