تشهد منظومة الردع النووي العالمية موجة جديدة من التوسع والإنفاق غير المسبوق، في وقت تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية والصراعات الدولية التي تدفع القوى الكبرى إلى إعادة النظر في استراتيجياتها العسكرية.
ومع تصاعد المخاوف الأمنية واتساع رقعة النزاعات، عادت الأسلحة النووية إلى صدارة الأولويات الدفاعية للدول المالكة لها، الأمر الذي انعكس بشكل واضح على حجم الإنفاق المخصص لتطوير الترسانات النووية وتعزيز قدراتها.

وتكشف البيانات الحديثة عن قفزة كبيرة في حجم الأموال التي ضختها الدول النووية خلال عام 2025، ما يعكس تحولاً متسارعًا في طبيعة التنافس العسكري العالمي.
وبدلاً من الاتجاه نحو خفض الترسانات أو تقليص الاعتماد على الردع النووي، تبدو القوى الكبرى منخرطة في سباق جديد يهدف إلى تحديث أنظمة التسليح وتطوير وسائل الإطلاق وتعزيز القدرات التكنولوجية المرتبطة بالسلاح النووي.
ويأتي هذا التوجه في ظل بيئة دولية تتسم بارتفاع مستوى المخاطر الأمنية، بدءًا من الحرب في أوروبا الشرقية، مرورًا بالتنافس المتصاعد في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وصولاً إلى أزمات الشرق الأوسط التي أعادت المخاوف من احتمالات التصعيد العسكري بين القوى الإقليمية والدولية.
الولايات المتحدة تتصدر المشهد النووي

وقد أظهرت الأرقام أن الولايات المتحدة واصلت الحفاظ على موقعها كأكبر قوة إنفاق نووي في العالم بفارق واسع عن بقية الدول المالكة لهذا النوع من الأسلحة.
ويعكس هذا الحجم الضخم من الإنفاق استراتيجية أميركية تقوم على تحديث مختلف مكونات منظومة الردع النووي، بما يشمل الصواريخ العابرة للقارات والغواصات النووية والقاذفات الاستراتيجية.
ولا يقتصر الأمر على الحفاظ على التفوق العسكري التقليدي، بل يمتد إلى تعزيز القدرات النووية باعتبارها أحد الأعمدة الأساسية للأمن القومي الأميركي.
ويأتي ذلك بالتزامن مع زيادة الإنفاق الدفاعي بصورة عامة، في إطار رؤية تستهدف مواجهة التحديات الناشئة من القوى المنافسة وفي مقدمتها الصين وروسيا.
بينما، واصلت الصين تعزيز استثماراتها في المجال النووي بوتيرة متصاعدة، ما يعكس سعيها إلى توسيع قدراتها الاستراتيجية ومواكبة التحولات في ميزان القوى العالمي.
كما سجلت بريطانيا ارتفاعًا ملحوظًا في إنفاقها النووي، متقدمة على روسيا في ترتيب الدول الأكثر إنفاقًا خلال العام، في مؤشر على توجه أوروبي متزايد نحو تعزيز القدرات الدفاعية في ظل البيئة الأمنية المتغيرة.
بينما روسيا، فرغم استمرارها ضمن قائمة أكبر القوى النووية في العالم، فإن وتيرة الإنفاق لديها جاءت أقل مقارنة ببعض المنافسين، وسط تركيز واضح على الحفاظ على جاهزية ترسانتها الحالية وتطوير بعض مكوناتها الرئيسية.
عالم أكثر تسلحًا وأقل استقرارًا
ويعكس النمو المتواصل في الإنفاق النووي تحولاً أعمق في المشهد الدولي، حيث تتراجع الآمال المرتبطة بخفض الأسلحة الاستراتيجية أمام صعود منطق الردع وتعاظم المخاوف الأمنية. فالدول المالكة للسلاح النووي باتت تنظر إلى هذه الترسانات باعتبارها ضمانة أساسية لحماية مصالحها في عالم يشهد تغيرات متسارعة وتحالفات متقلبة.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الاتجاه قد يفتح الباب أمام سباق تسلح طويل الأمد، لا يقتصر على القوى التقليدية فحسب، بل قد يشجع دولاً أخرى على السعي لامتلاك قدرات استراتيجية مماثلة، ما يزيد من تعقيد البيئة الأمنية الدولية.

