عاد بحر الصين الجنوبي إلى دائرة التوتر الإقليمي، مع إعلان الجيش الصيني تنفيذ دوريات عسكرية وصفت بأنها ضمن “الاستعداد القتالي”، شملت المياه الإقليمية والمجال الجوي المحيط بجزيرة هوانجيان داو.
خطوة تعكس تصاعدًا محسوبًا في مستوى الجاهزية العسكرية، في منطقة تعد من أكثر المساحات البحرية حساسية على الخريطة الجيوسياسية الآسيوية.
التحرك الصيني يأتي في سياق أوسع من إعادة ترتيب الأولويات الأمنية لبكين مع مطلع العام، وسط بيئة إقليمية تتسم بتزايد الحضور العسكري لقوى إقليمية ودولية، وتنامي الاحتكاكات غير المباشرة في الممرات البحرية الحيوية.
رسائل سيادة في توقيت حساس
تؤكد القيادة العسكرية الصينية، أن الدوريات البحرية والجوية التي نفذت منذ بداية يناير تحمل طابعًا دفاعيًا يهدف إلى تعزيز اليقظة وحماية السيادة الوطنية.
كذلك ينظر إلى هذا النشاط باعتباره رسالة سياسية وعسكرية مزدوجة، مفادها أن بكين لن تتهاون في ما تعتبره حقوقًا سيادية ثابتة، خاصة في مناطق تشهد نزاعات متداخلة حول النفوذ والحدود البحرية.
اختيار هوانجيان داو ومحيطها ليس عشوائيًا، إذ تمثل الجزيرة نقطة استراتيجية ضمن شبكة أوسع من المواقع المتنازع عليها، ما يجعل أي تحرك عسكري فيها محملاً بدلالات تتجاوز الإطار العملياتي البحت.
الجاهزية العسكرية كأداة ردع
تعكس “دوريات الاستعداد القتالي” تحولاً في نمط الانتشار العسكري الصيني من التواجد الرمزي إلى الجاهزية العملياتية المستمرة.
بكين تسعى، وفق مراقبين، إلى فرض معادلة ردع قائمة على الحضور الدائم والقدرة على الاستجابة السريعة لأي تطورات ميدانية، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
النهج ينسجم مع العقيدة الدفاعية الصينية التي تقوم على منع الخصوم من اختبار الخطوط الحمراء، عبر استعراض محسوب للقوة يرفع كلفة أي خطوة تصعيدية محتملة.
احتكاكات إقليمية ومشهد معقد
وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التوترات في بحر الصين الجنوبي، حيث تتقاطع مصالح عدة دول، وتزداد وتيرة المناورات العسكرية والأنشطة البحرية المتبادلة.
ومع اتساع نطاق الدوريات الصينية، تزداد مخاوف بعض الأطراف من أن يؤدي أي سوء تقدير إلى احتكاك غير محسوب، قد يفتح الباب أمام تصعيد أوسع.
ورغم تأكيد بكين أن عملياتها تهدف إلى تعزيز الاستقرار، فإن دولاً في المنطقة تراقب هذه التحركات بحذر، معتبرة أن زيادة النشاط العسكري قد تعمق حالة انعدام الثقة، وتدفع نحو سباق نفوذ متصاعد في واحدة من أكثر مناطق العالم ازدحاماً بالمصالح الاستراتيجية.
البعد الدولي وحسابات الرد
لا يمكن فصل التحركات الصينية عن السياق الدولي الأوسع، خاصة مع تنامي الحضور العسكري لقوى خارج الإقليم، وسعيها إلى تأكيد حرية الملاحة وحماية خطوط التجارة العالمية.
التداخل يجعل بحر الصين الجنوبي ساحة اختبار لتوازنات دقيقة، تتجاوز الحسابات الثنائية إلى معادلات دولية أكثر تعقيدًا.
وفي هذا الإطار، تحاول بكين إرسال إشارة مفادها أنها قادرة على إدارة أمن محيطها البحري بنفسها، دون السماح بفرض وقائع جديدة تتعارض مع رؤيتها للأمن الإقليمي.

