تعود سوريا مجددًا إلى واجهة التفاعلات الدولية مع تكثيف الحراك السياسي حولها، في لحظة إقليمية ودولية دقيقة تعيد رسم خرائط النفوذ وتوازنات المصالح.
وفي هذا السياق، حمل لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس السوري أحمد الشرع دلالات تتجاوز البروتوكول السياسي، ليعكس مسارًا متجددًا للعلاقة بين موسكو ودمشق، قائمًا على تثبيت الاستقرار من جهة، وإعادة تموضع سوريا ضمن شبكة علاقات دولية أكثر توازنًا من جهة أخرى.
الرسائل الصادرة عن اللقاء أوحت بتمسك روسيا بثوابتها التقليدية في الملف السوري، مع استعداد واضح للانخراط في مرحلة ما بعد الصراع، خصوصًا على مستوى إعادة الإعمار والدعم السياسي، في وقت تسعى فيه دمشق إلى تنويع خياراتها الدبلوماسية دون القطيعة مع حلفائها التقليديين.
سوريا في قلب التوازنات الدولية
والتحركات الأخيرة حول سوريا تعكس إدراكًا متزايدًا لدى القوى الكبرى بأهمية هذا الملف، ليس فقط باعتباره ساحة نفوذ، بل كعامل مؤثر في استقرار الإقليم ككل.
والتقارب الروسي السوري يتزامن مع إشارات دولية، غربية وأميركية، توحي بقبول مسار سياسي يعزز حضور الدولة السورية ويعيد بسط نفوذها على كامل الجغرافيا.
والمشهد يعكس نجاحًا نسبيًا للدبلوماسية السورية في تجنب التحول إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الكبرى، والعمل بدلًا من ذلك على تحييد التناقضات الدولية، وتحويلها إلى مساحات تقاطع تخدم الاستقرار الداخلي.
موسكو ودمشق.. تنسيق يتجاوز السياسة
زيارة الشرع إلى موسكو جاءت في إطار مسار تراكمي من اللقاءات والاتصالات بين الجانبين، شمل مستويات سياسية وأمنية وتقنية.
هذا التنسيق المستمر أسهم في تعزيز الثقة المتبادلة، وفتح الباب أمام مقاربات جديدة لإدارة الملفات الحساسة، سواء المتعلقة بالوضع الأمني أو بترتيبات النفوذ في مناطق الشمال والشرق.
كما تكتسب هذه العلاقة أهمية إضافية في ظل التطورات الجارية في الجزيرة السورية، حيث يشكل الحضور الروسي عامل توازن يمنع انزلاق الأوضاع نحو صدامات غير محسوبة، ويمنح دمشق هامش حركة أوسع في بسط سيادتها.
القواعد الروسية بين الضبط والتفاهم
ويشكل الوجود العسكري الروسي في سوريا، ولا سيما في قاعدتي حميميم وطرطوس، أحد أكثر الملفات حساسية.
غير أن المقاربة الحالية تقوم على إعادة تعريف وظيفة هذه القواعد، بحيث تكون منسجمة مع أولويات الأمن السوري، دون أن تتحول إلى عنصر توتر داخلي أو إقليمي.
والتفاهم على طبيعة هذا الوجود، من حيث عدد القوات ونوعية المهام، يعكس إدراكًا مشتركًا بأن استقرار سوريا يصب في مصلحة الطرفين، ويمنح موسكو في الوقت نفسه موطئ قدم استراتيجيًا في شرق المتوسط.
إعادة الإعمار.. الورقة الأثقل
وتبرز روسيا كأحد اللاعبين القادرين على تحريك ملف إعادة الإعمار، مستفيدة من شبكة علاقاتها مع عدد من الدول العربية المؤثرة، إضافة إلى قدرتها على لعب دور الجسر مع أوروبا.
وجود موسكو على خط هذا الملف قد يشكل عامل طمأنة سياسي واقتصادي، يشجع على انخراط أوسع في مشاريع إعادة البناء.
في المقابل، تراهن دمشق على هذا الدور الروسي لفتح نوافذ جديدة أمام الاستثمارات، وربط الاستقرار الأمني بمسار تنموي طويل الأمد يعالج جذور الأزمة.
وتعكس العلاقة السورية الروسية في مرحلتها الحالية نموذجًا لشراكة تقوم على إدارة دقيقة للتوازنات، بعيدًا عن منطق الاصطفاف الحاد.
دمشق تسعى إلى تثبيت سيادتها والانفتاح على محيطها، فيما تحافظ موسكو على دورها كقوة توازن لا غنى عنها في المعادلة السورية.

